محمد متولي الشعراوي

652

تفسير الشعراوي

ما هو مظهر الحياة التي يعيشونها ؟ الحياة عندنا مظهرها الحركة ، والذي قتل في سبيل اللّه ما هي حركته ؟ حركته بالنسبة لغير المؤمنين خصوم الإسلام والإيمان بأنه لن يسلب منه الحياة . . لأنه سيذهب إلى حياة أسعد والموت ينقله إلى خير مما هو فيه . . فإذا كان الكفار قد قتلوه فهم لم يسلبوه شيئا وإنما نقلوه إلى نعمة أكبر مما كان يعيش فيها . . أما بالنسبة للمؤمنين فإنه سيحمى لهم منهج اللّه ليصل إليهم إلى أن تقوم الساعة . إن كل المعارك التي يستشهد فيها المؤمنون إنما هي سلسلة متصلة لحماية حركة الإيمان في الوجود . . وعظمة الحياة ليست في أن أتحرك أنا ولكن أن أجعل من بعدى يتحرك . . والمؤمن حين يستشهد يبقى أثره في الوجود لكل حركة من متحرك بعده . . فكل حركة لحماية الإيمان تستشهد به وبما فعله وتأخذ من سلوكه الإيمانى دافعا لتقاتل وتستشهد . فكأن الحركة متصلة والعملية متصلة . . أما الكافر فإن الحياة تنتهى عنده بالموت ولكن تنتظره حياة أخرى حينما يبعث اللّه الناس جميعا ثم يأتي بالموت فيموت . . وحين يموت الموت تصبح الحياة بلا موت إما في الجنة وإما في النار . اللّه سبحانه وتعالى يريدنا أن نعلم أن من يقتل في سبيل اللّه هو حي عند ربه ينتقل من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة مباشرة . . ولا يكتب عليه الموت في حياة البرزخ حتى يوم القيامة مثل من يموت ميتة طبيعية ولا يموت شهيدا . . ولأن هذه الحياة حياة الشهداء أخفى اللّه سبحانه عنا تفاصيلها لأنها من حياة الآخرة . . وهي غيب عنا قال تبارك وتعالى : « وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ » . . وما دمنا لا نشعر بها فلا بد أن تكون حياة أعلى من حياتنا الدنيوية . الذي استشهد في عرف الناس سلب نفسه الحياة ولكنه في عرف اللّه أخذ حياة جديدة . . ونحن حين نفتح قبر أحد الشهداء نجد جسده كما هو فنقول إنه ميت أمامنا . . لا بد أن تتنبه إنك لحظة فتحت عليه انتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهادة واللّه سبحانه قال : « أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ » ولم يقل أحياء في عالم الشهادة . . فهو حي ما دام في عالم الغيب ولكن أن تفتح وتكشف تجده جسدا في قبره لأنه انتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهادة . . أما كيف ؟ قلنا إن الغيب ليس فيه كيف . . لذلك لن تعرف وليس مطلوبا منك أن تعرف .