محمد متولي الشعراوي

624

تفسير الشعراوي

ولكن لأنهم سفهاء فعلا . . والسفه جهل وحمق وطيش قالوها . . فكانوا وهم الكافرون بالقرآن الذين يريدون هدم هذا الدين من المثبتين للإيمان الذين تشهد أعمالهم بصدق القرآن . لأن اللّه سبحانه قال : « سَيَقُولُ السُّفَهاءُ » وهم قالوا فعلا . . ولقد قال كفار مكة عن الكعبة إنها بيتنا وبيت أبائنا وليست بيت اللّه . . فصرف اللّه رسوله في أول الإسلام ووجهه إلى بيت المقدس . . وعندئذ قال اليهود : يسفه ديننا ويتبع قبلتنا . . واللّه سبحانه وتعالى أراد أن يحتوى الإسلام كل دين قبله فتكون القداسة للكل . . ولذلك أسرى برسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من مكة إلى بيت المقدس . . حتى يدخل بيت المقدس في مقدسات الإسلام لأنه أصبح محتوى في الإسلام . ولم يشأ اللّه أن يجعل القبلة إلى الكعبة أول الأمر لأنهم كانوا يقدسونها على أنها بيت العرب وكانوا يضعون فيها أصنامهم . . ووضع الأصنام في الكعبة شهادة بأن لها قداسة في ذاتها . . فالقداسة لم تأت بأصنامهم بل هم أرادوا أن يحموا هذه الأصنام فوضعوها في الكعبة . . لماذا لم يضعوها في مكان آخر ؟ لأن الكعبة مقدسة بدون أصنام . واللّه سبحانه وتعالى حين قال : « سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها » . . ولّاه يعنى حرفه ورده . . والقبلة التي كانوا عليها هي بيت المقدس . . وهنا يأتي الحق برد جامع هو أن أوامر اللّه الإيمانية لا ترتبط بالعلة . . إنما علة التنفيذ فيما يأمرنا اللّه سبحانه به جل جلاله أن اللّه هو الآمر . . ولو أن الحق تبارك وتعالى بين لنا السبب أو العلة في تغيير القبلة لما كان الأمر امتحانا للإيمان في القلوب . . لأن الإيمان والعبادة هي طاعة معبود فيما يأمر وما ينهى . . يقول لك اللّه عظم هذا الحجر وهو الحجر الأسود الموجود في الكعبة وتعظمه بالاستلام والتقبيل . . ويقول لك : ارجم هذا الحجر الذي يرمز إلى إبليس فترجمه بالحصى ، ولا يقول اللّه سبحانه لماذا ؟ لأنه لو قال لماذا ضاع الايمان هنا وأصبح الأمر مسألة اقناع واقتناع . فأنا حين أقول لك لا تأكل هذا لأنه مر وكل هذا لأنه حلو يكون السبب واضحا . . ولكن اللّه تبارك وتعالى يقول لك كل هذا ولا تأكل هذا . . فإن أكلت مما حرمه تكون آثما . وإن امتنعت تكون طائعا وتثاب . إذن العلة الإيمانية هي أن الأمر صادر من اللّه سبحانه . . ولو أنك امتنعت عن