محمد متولي الشعراوي

587

تفسير الشعراوي

رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 128 ) هناك فرق بين أن تكلّف بشئ فتفعله بحب ، وأن تفعل شكلية التكليف وتخرج من عملك خروج الذي ألقى عن كاهله عبء التكليف . . في هذه الآية الكريمة دعاء إبراهيم وابنه إسماعيل وكانا يقولان يا رب أنت أمرتنا أن نرفع القواعد من البيت وقد فعلنا ما أمرتنا . . وليس معنى ذلك أننا اكتفينا بتكليفك لنا لأننا نريد أن نذوق حلاوة التكليف منك مرات ومرات . . « رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ » نسلم كل أمورنا إليك . إن الإنسان لا يمكن أن ينتهى من تكليف ليطلب تكليفا غيره إلا إذا كان قد عشق حلاوة التكليف ووجد فيه استمتاعا . . ولا يجد الإنسان استمتاعا في التكليف إلا إذا استحضر الجزاء عليه . . كلما عمل شيئا استحضر النعيم الذي ينتظره على هذا العمل فطلب المزيد . إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام بمجرد أن فرغا من رفع القواعد من البيت قالا : « رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ » ولم يكتفيا بذلك بل أرادا امتداد حلاوة التكليف إلى ذريتهما من بعدهما . . فيقولان : « وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً » . . ليتصل أمد منهج اللّه في الأرض ويستمر التكليف من ذرية إلى ذرية إلى يوم القيامة . . ثم يقولان : « وَأَرِنا مَناسِكَنا » . . أي بين لنا يا رب ما تريده منا . بين لنا كيف نعبدك وكيف نتقرب إليك . . والمناسك هي الأمور التي يريد اللّه سبحانه وتعالى أن نعبده بها . وقوله : « وَأَرِنا مَناسِكَنا » ترينا أن إبراهيم يرغب في فتح أبواب التكليف على