محمد متولي الشعراوي
583
تفسير الشعراوي
وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ( من الآية 124 سورة البقرة ) قال اللّه سبحانه : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( من الآية 124 سورة البقرة ) فخشى إبراهيم وهو يطلب لمن سيقيمون في مكة أن تكون استجابة اللّه سبحانه كالاستجابة السابقة . . كأن يقال له لا ينال رزق اللّه الظالمون . فاستدرك إبراهيم وقال : « وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ » . . ولكن اللّه سبحانه أراد أن يلفت إبراهيم إلى أن عطاء الألوهية ليس كعطاء الربوبية . . فإمامة الناس عطاء ألوهية لا يناله إلا المؤمن ، أما الرزق فهو عطاء ربوبية يناله المؤمن والكافر . لأن اللّه هو الذي استدعانا جميعا إلى الحياة وكفل لنا جميعا رزقنا . . وكأن الحق سبحانه حين قال : « لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » . . كان يتحدث عن قيم المنهج التي لا تعطى إلا للمؤمن ولكن الرزق يعطى للمؤمن والكافر . . لذلك قال اللّه سبحانه : « وَمَنْ كَفَرَ » . . وفي هذا تصحيح مفاهيم بالنسبة لإبراهيم ليعرف أن كل من استدعاه اللّه تعالى للحياة له رزقه مؤمنا كان أو كافرا . والخير في الدنيا على الشيوع . فمادام اللّه قد استدعاك فإنه ضمن لك رزقك . إن اللّه لم يقل للشمس أشرقى على أرض المؤمن فقط ، ولم يقل للهواء لا يتنفسك ظالم وإنما أعطى نعمة استبقاء الحياة واستمرارها لكل من خلق آمن أو كفر . . ولكن من كفر قال عنه اللّه سبحانه وتعالى : « وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا » . . التمتع هو شئ يحبه الإنسان ويتمنى دوامه وتكراره . وقوله تعالى : « فَأُمَتِّعُهُ » دليل على دوام متعته ، أي له المتعة في الدنيا . ولكل نعمة متعة ، فالطعام له متعة والشراب له متعة والجنس له متعة . . إذن التمتع في الدنيا بأشياء متعددة . ولكن اللّه تبارك وتعالى وصفه بأنه قليل . . لأن المتعة في الدنيا مهما بلغت وتعدّدت ألوانها فهي قليلة .