محمد متولي الشعراوي
575
تفسير الشعراوي
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 125 ) وضّحت لنا الآية التي سبقت أن اليهود قد انتفت صلتهم بإبراهيم عليه السّلام . . بعد أن تركوا القيم والدين واتجهوا إلى ماديات الحياة . . أنتم تدعون انكم أفضل شعوب الأرض لأنكم من ذرية إسحق بن إبراهيم والعرب لهم هذه الأفضلية والشرف لأنهم من ذرية إسماعيل بن إبراهيم . . إذن فأنتم غير مفضلين عليهم . . فإذا انتقلنا إلى قصة بيت المقدس وتحويل القبلة إلى الكعبة . . نقول إن ذلك مكتوب منذ بداية الخلق أن تكون الكعبة قبلة كل من يعبد اللّه . الحق سبحانه وتعالى يقول : « وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً » . . تأمل كلمة البيت وكلمة مثابة . . بيت مأخوذ من البيتوتة وهو المأوى الذي تأوى إليه وتسكن فيه وتستريح وتكون فيه زوجتك وأولادك . . ولذلك سميت الكعبة بيتا لأنها هي المكان الذي يستريح إليه كل خلق اللّه . . ومثابة يعنى مرجعا تذهب إليه وتعود . . ولذلك فإن الذي يذهب إلى بيت اللّه الحرام مرة يحب أن يرجع مرات ومرات . . إذن فهو مثابة له لأنه ذاق حلاوة وجوده في بيت ربه . . وأتحدى أن يوجد شخص في بيت اللّه الحرام يشغل ذهنه غير ذكر اللّه وكلامه وقرآنه وصلاته . . تنظر إلى الكعبة فيذهب كل ما في صدرك من ضيق وهم وحزن ولا تتذكر أولادك ولا شؤون دنياك ولو ظلت جاذبية بيت اللّه في قلوب الناس مستمرة لتركوا كل شؤون دنياهم ليبقوا بجوار البيت . . ولذلك كان عمر بن الخطاب حريصا على أن يعود الناس إلى أوطانهم وأولادهم بعد انتهاء مناسك الحج مباشرة . . ومن رحمة الحق سبحانه أن الدنيا تختفى من عقل الحاج وقلبه . . لأن الحجيج في