محمد متولي الشعراوي
510
تفسير الشعراوي
وإنما كان في علمه وفي شرعه أنه سيغير القبلة بعد فترة إلى الكعبة . . ولعل لذلك هدفا إيمانيا في أن العلة في الأمور هي انها من اللّه ؛ فالاتجاه إلى بيت المقدس أو الاتجاه إلى الكعبة لا يكلف المؤمنين جهدا إيمانيا إضافيا . . ولا يضع عليهم تكاليف جديدة . فالجهد نفسه الذي أبذله للاتجاه إلى الشرق أبذله للاتجاه إلى الغرب . ولكن الاختبار الإيمانى أن تكون علة الأمر أنه صادر من اللّه . . فإذا قال اللّه اتجه إلى بيت المقدس إتجهنا . . فإذا قال اتجه إلى الكعبة اتجهنا . . ولا قدسية لشئ في ذاته . . ولكن القدسية لأمر اللّه فيه . واللّه تبارك وتعالى حين أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم لم يسجدوا لذات آدم ولكنهم سجدوا لأمر اللّه بالسجود لآدم . واللّه سبحانه وتعالى اختار الكعبة المشرفة بيتا ومسجدا له في الأرض . . واتخذت الكعبة مقامها العالي عند المسلمين ليس لأنها بقعة في مكان ما جاءها إبراهيم والأنبياء وحج إليها الناس ، ولكن مقامها جاء من أنها هي بيت اللّه باختيار اللّه لها . . وكل مساجد الأرض هي بيوت اللّه باختيار خلق اللّه . . ولكن المسجد الوحيد الذي هو بيت اللّه باختيار اللّه هو الكعبة . . ولذلك كان لا بد لكل المساجد التي هي باختيار خلق اللّه . . أن تتجه إلى المسجد الذي هو باختيار اللّه . . ولكن العلة الإيمانية الكبرى هي أن نؤمن أن صدور الأمر من اللّه هو الحيثية لاتباع هذا الأمر دون أن نبحث عن أسبابه الدنيوية . فإذا قال اللّه سبحانه وتعالى الصلاة خمس مرات في اليوم . . فدون أن نبحث عن السبب أو نقول لماذا خمسة ؟ فلننقص منها . . دون أن نفعل ذلك نصلى خمس مرات في اليوم والسبب ان اللّه قال ، وهكذا الزكاة ، وهكذا الصوم وهكذا الحج . . كلها تتم طاعة للّه . . وهكذا تغيير القبلة تم اختبارا للطاعة الإيمانية للّه . . فاللّه موجود في كل مكان . . فلا يأتي أحد ليقول لماذا الكعبة ؟ وهل اللّه ليس موجودا إلا في الكعبة ؟ نقول لا إنه موجود في كل مكان . . ولكنه أمرنا أن نتجه إلى الكعبة . . ونحن لا نتجه إليها لأننا نعتقد ان اللّه تبارك وتعالى موجود في هذا المكان فقط . . ولكن طاعة لأمر اللّه الذي أمرنا أن تكون قبلتنا إلى الكعبة . ولعل تغيير القبلة يعطينا فلسفة نسخ الآيات . . لماذا ؟ لأنه لم توجد أية ظروف أو تجد وقائع ، أو تظهر أشياء كانت خفية تجعل الاتجاه إلى بيت المقدس صعبا أو محوطا بالمشاكل أو غير ذلك ، ولكن تغيير القبلة جاء هنا لأن اللّه سبحانه وتعالى شاء أن يتوجه المسلمون إلى بيت المقدس فترة ثم يتوجهوا إلى الكعبة إلى يوم القيامة .