محمد متولي الشعراوي

499

تفسير الشعراوي

خير هي الوحيدة في اللغة العربية التي يساوى الاسم فيها أفعل التفضيل . . فأنت تقول هذا فاضل وهذا مفضول عليه . . كلمة خير اسم تفضيل فيقال ذلك خير من كذا . . أي واحد منهما يعطى أكثر من الآخر . . وكلمة خير إذا لم يأت مقابلها أي خير من كذا يكون مقابلها شر . . فإذا قلت فلان خير من فلان . . فكلاهما اشترك في الخير ولكن بدرجة مختلفة . . والخير هو ما يأتي لك بالنفع . . ولكن مقياس النفع يختلف باختلاف الناس . . واحد ينظر إلى النفع العاجل وآخر ينظر إلى النفع الآجل . . وفي ظاهر الأمر كل منهما أراد خيرا . وإذا أردنا أن نقرب ذلك إلى الأذهان فلنقل إن هناك أخوين أحدهما يستيقظ مبكرا ليذهب إلى مدرسته والثاني ينام حتى الضحى ، ويخرج من البيت ليجلس على المقهى . . الأول يحب الخير لنفسه والثاني يحب الخير لنفسه والخلاف في تقييم الخير . . الكسول يحب الخير العاجل فيعطى نفسه حظها من النوم والترفيه وعدم العمل . . والمجتهد يحب الخير الآجل لنفسه لذلك يتعب ويشقى سنوات الدراسة حتى يرتاح بعد ذلك ويحقق مستقبلا مرموقا . الفلاح الذي يزرع ويذهب إلى حقله في الصباح الباكر ويروى ويبذر الحب ويشقى ، يأتيه في آخر العام محصول وافر وخير كثير . . والفلاح الذي يجلس على المقهى طول النهار أعطى نفسه خير الراحة ، ولكن ساعة الحصاد يحصد الندم . إذن كل الناس يحبون الخير ولكن نظرتهم ومقاييسهم تختلف . . فمنهم من يريد متعة اليوم ، ومنهم من يعمل لأجل متعة الغد . . واللّه تبارك وتعالى حين يأمرنا بالخير . . قد يكون الخير متعبا للجسد والنفس . . ولكن النهاية متاع أبدى في جنة الخلد . إذن فالخير الحقيقي هو ما جاء به الشرع . . لماذا ؟ لأن الخير هو ما ليس بعده بعد . . فأنت تولد ثم تكبر ثم تتخرج في الجامعة . . ثم تصبح في أعلى المناصب ثم تموت ثم تبعث ثم تدخل الجنة . . وبعدها لا شئ إلا الخلود في النعيم . قوله تعالى : « لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » . . اللّه ينفى عنهم العلم بينما في الآية السابقة أثبت لهم العلم في قوله تعالى : « وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ » . . نقول إن العلم الذي لا يخضع حركة الإنسان له فكأنه لم يعلم شيئا . .