محمد متولي الشعراوي
420
تفسير الشعراوي
يقول الحق سبحانه وتعالى : « فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ » . . ألم يكن يكفى أن يقول الحق فويل للذين يكتبون الكتاب ويكون المعنى مفهوما . . يكتبون الكتاب بماذا ؟ بأيديهم . . نقول لا . . لأن الفعل قد يتم بالأمر وقد يتم بالفعل . . رئيس الدولة مثلا يتصل بأحد وزرائه ويقول له ألم أكتب إليك كتابا بكذا فلماذا لم تنفذه ؟ هو لم يكتب هذا الكتاب بيده ولكنهم كتبوه بأمره ، ورؤساء الدول نادرا ما يكتبون كتبا بأيديهم . إن اللّه سبحانه وتعالى يريد هنا أن يبين لنا مدى تعمد هؤلاء للإثم . . فهم لا يكتفون مثلا بأن يقولوا لغيرهم اكتبوا . . ولكن لإهتمامهم بتزييف كلام اللّه سبحانه وتزويره يقومون بذلك بأيديهم ليتأكدوا بأن الأمر قد تم كما يريدون تماما . . فليست المسألة نزوة عابرة . . ولكنها مع سبق الإصرار والترصد . . وهم يريدون بذلك أن يشتروا ثمنا قليلا ، هو المال أو ما يسمى بالسلطة الزمنية . . يحكمون ويكون لهم نفوذ وسلطان . ولقد كان أهل الكتاب في الماضي إذا اختلفوا في شئ . . ذهبوا إلى الكهان والرهبان وغيرهم ليقضوا بينهم . . لماذا ؟ لأن الناس حين يختلفون يريدون أن يستتروا وراء ما يحفظ كبرياءهم إن كانوا مخطئين . . يعنى لا أنهزم امامه ولا ينهزم أمامى . . وإنما يقولون ارتضينا حكم فلان . . فإذا كنا سنلجأ إلى تشريع السماء ليحكم بيننا . . لا يكون هناك غالب ومغلوب أو منهزم ومنتصر . . ذلك حين أخضع أنا وأنت لحكم اللّه يكون كل منا راضيا بنتيجة هذا الحكم . ولكن رجال الدين اليهودي والمسيحي أخذوا يصدرون فتاوى متناقضة . . كل منهم حسب مصلحته وهواه . . ولذلك تضاربت الأحكام في القضايا المتشابهة . . لأنه لم يعد الحكم بالعدل . . بل أصبح الحكم خاضعا لأهواء ومصالح وقضايا البشر . . وحين يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند اللّه . . إنما يريدون أن يخلعوا على المكتوب قداسة تجعل الإنسان يأخذه بلا مناقشة . . وبذلك يكونون هم المشرعين باسم اللّه ، ويكتبون ما يريدون ويسجلونه كتابة ، وحين أحس أهل الكتاب بتضارب حكم الدين بما أضافه الرهبان والأحبار ، بدأوا يطلبون تحرير الحكم من سلطة الكنيسة .