محمد متولي الشعراوي

406

تفسير الشعراوي

إذن فكلمة « أَ فَتَطْمَعُونَ » هنا تحدد أنه يجب ألا نطمع إلا فيما نقدر عليه . هؤلاء اليهود هل نقدر على أن نجعلهم يؤمنون ؟ يقول اللّه تبارك وتعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم . . هذا أمر زائد على ما كلفت به . . لأن عليك البلاغ ، وحتى لو كان محببا إلى نفسك . . فإن مقدماتهم مع اللّه لا تعطيك الأمل في أنك ستصل إلى النتيجة التي ترجوها . . وهذه الآية فيها تسرية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عما سيلاقيه مع اليهود . وتعطيه الشحنة الايمانية التي تجعله يقابل عدم ايمان هؤلاء بقوة وعزيمة . . لأنه كان يتوقعه فلا يحزن ولا تذهب نفسه حسرات ، لأن اللّه تبارك وتعالى قد وضع في نفسه التوقع لما سيحدث منهم . . فإذا جاء تصرفهم وفق ما سيحدث . . يكون ذلك أمرا محتملا من النفس . . والحق سبحانه وتعالى يقول : « وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ » انظر إلى الأمانة والدقة . . فريق منهم ليس كلهم . . هذا هو ما استنبط منه العالم نظرية صيانة الاحتمال . . وهي عدم التعميم بحيث تقول انهم جميعا كذا . لا بد أن تضع احتمالا في أن شخصا ما سيؤمن أو سيشذ أو سيخالف . . هنا فريق من أهل الكتاب عرفوا صفات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من التوراة والإنجيل . . وعندما بعث آمنوا به ، وهؤلاء لم يحرفوا كلام اللّه . لو أن القرآن جاء بالحكم عاما لتغيرت نظرة الكافرين للاسلام . . ولقالوا لقد قال عنا هذا الدين اننا حرفنا كتاب اللّه ولكننا لم نحرفه ونحن ننتظر رسوله . . فكأن هذا الحكم غير دقيق . . ولا بد أن شيئا ما خطأ . . لأن اللّه الذي نزل هذا القرآن لا يخفى عليه شئ ويعرف ما في قلوبنا جميعا . . ولكن لأن الآية الكريمة تقول ان فريقا منهم كانوا يسمعون كلام اللّه ثم يحرفونه . . الكلام بلا تعميم ومنطبق بدقة على كل حال . . والحق جل جلاله يقول : « ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ » . . هذه معصية مركبة سمعوا كلام اللّه وعقلوه وعرفوا العقوبة على المعصية ثم بعد ذلك حرفوه . . لقد قرأوه في التوراة وقرأوا وصف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أنهم يعرفونه كأبنائهم . . ثم حرفوا كلام اللّه وهم يعلمون . . ومعنى التحريف تغيير معنى الكلمة . . كانوا يقولون السّأم عليكم بدلا من السّلام عليكم . . ولم يتوقف الأمر عند التحريف بل تعداه إلى أن جاءوا بكلام من عندهم وقالوا إنه من التوراة .