محمد متولي الشعراوي
353
تفسير الشعراوي
من حرارة الشمس المحرقة . . ورزقهم بالمن والسلوى . . ثم يذكرهم بأنهم طلبوا طعام الأرض فاستجاب لهم . في هذه الآية يقول الحق تبارك وتعالى : « فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً » . وفي آية أخرى يقول : « رغدا حيث شئتم » . الفرق في المعنى أن قوله تعالى : « حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً » تدل على أن هناك أصنافا كثيرة من الطعام . « ورغدا حيث شئتم » يكون هناك صنف واحد والناس جائعون فيقبلون على الطعام . . عندما يقول الحق جل جلاله : كلوا رغدا يكون المخاطب هنا نوعين : إنسان غير جائع ولذلك تعد له ألوانا متعددة من الطعام لتغريه على الأكل . . فتقدم في هذه الحالة « حَيْثُ شِئْتُمْ » فيقال : « فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً . . فإذا كان الانسان جوعان يرضى بأي طعام . . فيقال رغدا حيث شئتم . إن المسألة في القرآن الكريم ليست تقديما وتأخيرا في الألفاظ . . ولكن المعنى لا يستقيم بدون هذا التغيير . . قوله تعالى « ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ » . . والقرية هي هنا بيت المقدس أو فلسطين أو الأردن . . الحق تبارك وتعالى يقول : « وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ » . . والحق جل جلاله حين خاطبهم بين لنا أنهم لم يكونوا في حالة جوع شديد بحيث يأكلون أي شئ فقال : « فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً » أي ستجدون فيها ألوانا كثيرة من الطعام تغريكم على الأكل ولو لم تكونوا جائعين . وقوله تعالى : « وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً » . . أي ادخلوا الباب وأنتم في منتهى الخضوع . . « وَقُولُوا حِطَّةٌ » أي حط عنا ذنوبنا يا رب . . غير أنهم حتى في الأمر يغيرون مضمونه . . ويلبسون الحق بالباطل . . وهذه خاصية فيهم . . ولذلك دخلوا الباب وهم غير ساجدين . . دخلوه زاحفين على ظهورهم . . مع أن ما أمرهم اللّه به أقل مشقة مما فعلوه . . فكأن المخالفة لم تأت من أن أوامر اللّه شاقة . . ولكنها أتت من الرغبة في مخالفة أمر الخالق وبدلا من أن يقولوا حطة . أي حط عنا يا رب ذنوبنا قالوا حنطة والحنطة هي القمح . . ليطوعوا اللفظ لأغراضهم . . فكأن المسألة ليست عدم قدرة على الطاعة ولكن رغبة في المخالفة . ومع أن الحق تبارك وتعالى وعدهم بالمغفرة والرحمة والزيادة للمحسنين . .