محمد متولي الشعراوي

34

تفسير الشعراوي

ونحن أمة محمدية فوقية . . نعلن عبوديتنا وخضوعنا لله . . ونتبع منهج السماء . . ولذلك فقد تميزنا عن البشر جميعا لأن كل انسان في الدنيا لا يخضع لله سبحانه وتعالى ولا يأخذ منهجه عنه فهو خاضع لمنهج بشرى وضعه مساو له من البشر . . والنفس البشرية لها هوى تريد أن تحققه . لذلك فهي تضع المنهج الذي يمكنها من أن تتميز به على الناس . . المنهج الذي تستفيد منه هي وحدها . . وقد يكون المنهج من وضع مجموعة أفراد أو طبقة . . نقول أن مناهجهم لفائدتهم . . ولكن اللّه سبحانه وتعالى يضع منهجه ليعطيك خيرا . . لا ليأخذ منك الخير ، لأنه جل جلاله مصدر الخير كله . وهو ليس محتاجا لما تملك ولا ما يملك كل البشر . اذن العدل والخير والعزة هي منهج السماء . . فالله لا يأخذ منك ولكن يعطيك . ولا يذلك ولكن يعزك . على أن هناك لفتة . . لا بد ان ننتبه إليها . فهذه الفوقية هي التي جعلت اللّه سبحانه وتعالى يختار أمة أمية . . ليجعل فيها آخر صلة للسماء بالأرض . ويختار من هذه الأمة رسولا أميا . . أي كما ولدته أمه . لم يأخذ ثقافة من مساويه . . لم يتثقف على الشرق أو على الغرب . ولم يقرأ لفلان فيتأثر به . . أو لفيلسوف فيتبعه . ولكن الذي علمه هو اللّه جل جلاله . اذن فالأمية شرف لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . . لأنها تؤكد أن كل ما جاء به هو من اللّه سبحانه وتعالى . ولذلك فكل ما يأتي به معجزة لأنه من وحى السماء . . فلو أن القرآن نزل على أمة متحضرة كالفرس أو الروم . . أو على نبي غير أمىّ . . قد قرأ كتب الفلاسفة والعلماء من الشرق والغرب . . لقيل أن « القرآن التقاء حضارات وهبات عقل واصلاحات ليقود الناس حركة حياتهم » ولكن لا . هي أمة أمية - ورسول أمي . . تأكيدا لصلتها بالسماء . . وأن ما جاء به محمد عليه الصلاة والسّلام . لا دخل لبشر ولا ثقافة ولا حضارة به . وهو ليس من معطيات عقول البشر . . ولكنه من الحق تبارك وتعالى . . ليصبح محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو الرسول الأمى معلما للبشرية كلها . وهكذا نعرف أن الشيطان لا يستطيع أن يقترب من مكان صعود الصلاة وصالح الاعمال إلى السماء ومن مكان الخضوع والعبودية لله سبحانه وتعالى . وقد أصرّ الشيطان على غواية الانسان . . حتى لا يكون هو العاصي الوحيد .