محمد متولي الشعراوي
279
تفسير الشعراوي
وهذه تعطينا قضية مهمة في المجتمع . الذي لم يرتكب أية مخالفة . . هل يناله خوف ؟ أبدا . . ولكن من يرتكب مخالفة تجده دائما خائفا خشية أن ينكشف أمره . . ويفاجأ بشر لا قدرة له على دفعه . إن الانسان المستقيم لا يعيش الخوف . لأن الخوف أمران . اما ذنب أنا سبب فيه . والسائر على الطريق المستقيم لم يفعل شيئا يخاف انكشافه . واما أمر لا دخل لي فيه . يجريه على خالقي . وهذا لا بد أن يكون لحكمة . قد أدركها . وقد لا أدركها ولكني اتقبلها . فالذي يتبع هدى اللّه . لا يخاف ولا يحزن . لأنه لم يذنب . ولم يخرق قانونا . ولم يغش بشرا . أو يخفى جريمة . فلا يخاف شيئا ، ولو قابله حدث مفاجىء ، فقلبه مطمئن . والذين يتبعون اللّه . لا يخافون . ولا يخاف عليهم . . وقوله تعالى : « وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » لأن الذي يعيش طائعا لمنهج اللّه . . ليس هناك شئ يجعله يحزن . ذلك أن ارادته في هذه الحالة تخضع لإرادة خالقه . فكل ما يحدث له من اللّه هو خير . حتى ولو كان يبدو على السطح غير ذلك . ملكاته منسجمة وهو في سلام مع الكون ومع نفسه . والكون لا يسمع منه الا التسبيح والطاعة والصلاة . وكلها رحمة . فهو في سلام مع نفسه . وفي سلام مع ربه . وفي سلام مع المجتمع . إن المجتمع دائما يسعد بالانسان المؤمن الذي لا يفسد في الأرض . بل يفعل كل خير . فالمؤمن نفحة جمال تشع في الكون . ونعمة حسن ورضا مع كل الناس . وما دام الانسان كذلك . فلن يفقد ما يسره أبدا . فإن اصابته أحداث . . أجراها اللّه عليه . . لا يقابلها الا بالشكر . وان كان لا يعرف حكمتها . . وإياك أن تعترض على اللّه في حكم . ولذلك يقول : أحمدك ربى على كل قضائك وجميع قدرك . حمد الرضا بحكمك واليقين بحكمتك . . والانسان ينفعل للأحداث . ولكن هناك فرق بين الانفعال للاحداث وحدها وبين الانفعال للاحداث مع حكمة مجريها . ولذلك فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يعلمنا الدقة حينما قال : ( إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول الا ما يرضى ربنا وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ) « 1 »
--> ( 1 ) رواه البخاري ومسلم وابن ماجة وأحمد وهذا لفظ البخاري .