محمد متولي الشعراوي

256

تفسير الشعراوي

قوله تعالى . . كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ - أي أنك كنت من الملائكة العالين . . الذين لم يشملهم أمر السجود . إذن فأمر السجود لآدم . . كأمر اللّه لنا بالسجود إلى القبلة في الصلاة . فنحن لا نسجد للقبلة ذاتها . . ولكننا نسجد لأمر اللّه بالسجود إلى القبلة . . سجد الملائكة الذين شملهم أمر السجود لأمر اللّه سبحانه وتعالى . . ولكن إبليس رفض أن يسجد . وعصى أمر اللّه . بعض الناس يقولون : أن إبليس لم يكن من الذين أمرهم اللّه تعالى بالسجود . لأن الأمر شمل الملائكة وحدهم . . وإبليس ليس ملكا . ولكنه من الجن . كما يروى لنا القرآن الكريم في قوله تعالى : إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ( من الآية 50 سورة الكهف ) ونقول : ان كون إبليس من الجن هو الذي جعله يعصى أمر اللّه بالسجود . فلو أن إبليس كان من الملائكة - وهم مقهورون على الطاعة - كان لا بد أن يطيع أمر اللّه ويسجد . ولكن كونه من الجن الذين لهم اختيار في أن يطيعوا وأن يعصوا فذلك الذي مكنه أن يعصى أمر السجود . ولذلك فإن الذين يأخذون من الآية الكريمة ان إبليس كان من الجن . بأنه لم يشمله أمر السجود . نقول لهم : ان الحق سبحانه وتعالى قد أخبرنا عن جنس إبليس حتى نفهم من أي باب إلى المعصية دخل . . ذلك أنه دخل من باب الاختيار الممنوح للانس والجن في الحياة الدنيا وحدها ، ولو أراد اللّه سبحانه وتعالى أن يكون إبليس مقهورا على الطاعة ما كان يستطيع أن يعصى . ولكن معصيته جاءت من أنه خلق مختارا . . والاختيار هو الباب الذي دخل منه إلى المعصية . هذه حقيقة يجب أن نفهمها . ولذلك يرد الحق سبحانه وتعالى على كل من سيخطر بباله ان امر السجود لم يشمل إبليس لكونه من الجن لقوله سبحانه وتعالى : قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ( من الآية 12 سورة الأعراف ) وكان كفر إبليس وخلوده في النار أنه رد الأمر على الآمر . وقال :