محمد متولي الشعراوي
250
تفسير الشعراوي
ويحضرني قول الشاعر احمد شوقى حين قال : سبحانك اللهم خير معلم * علمت بالقلم القرون الأولى أرسلت بالتوراة موسى مرشدا * وابن البتول فعلم الانجيلا وفجرت ينبوع البيان محمدا * فسقى الحديث وناول التنزيلا وكان شوقى يصوغ في ابياته أن كل علم هو منسوب إلى اللّه وحده . . وهكذا يتضح لنا . أن قول الملائكة : « سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ » يتضمن الاعتراف بأن العلم كله مرجعه إلى اللّه . فالله سبحانه وتعالى هو مصدر العلم والحكمة . وقوله سبحانه وتعالى : « الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ » العليم أي الذي يعلم كل شئ خافيا كان أو ظاهرا . والعلم كله منه . وأما الحكمة فتطلق في الأصل على قطعة الحديد التي توضع في فم الفرس لتلجمه حتى يمكن للراكب أن يتحكم فيه . ذلك أن الحصان حيوان مدلل شارد . يحتاج إلى ترويض . وقطعة الحديد التي توضع في فمه تجعله أكثر طاعة لصاحبه . وكأن اطلاق صفة الحكيم على الخالق سبحانه وتعالى هو أنه جل جلاله يحكم المخلوقات حتى لا تسير بغير هدى . ودون دراية . والحكمة أن يوضع هدف لكل حركة لتنسجم الحركات بعضها مع بعض ، ويصير الكون محكوما بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . والحكيم العليم . هو الذي يضع لكل كائن إطاره وحدوده . والحكمة هي أن يؤدى كل شئ ما هو مطلوب منه ببراعة . والحكمة في الفقه هي أن تستنبط الحكم السليم . والحكمة في الشعر أن تزن الكلمات على المفاعيل . والحكمة في الطب أن تعرف تشخيص المرض والدواء الذي يعالجه . والحكمة في الهندسة أن تصمم المستشفى طبقا لاحتياجات المريض والطبيب وأجهزة العلاج ومخازن الأدوية وغير ذلك . أو في تصميم المنزل للسكن المريح . وحكمة بناء منزل مثلا تختلف عن حكمة بناء قصر أو مكان للعمل . والكون كله مخلوق من قبل حكيم عليم . وضع الخالق سبحانه وتعالى فيه كل شئ في موضعه ليؤدى مهمته . ووصف اللّه تعالى بأنه حكيم يتطلب أن يكون عليما . لأن علمه هو الذي يجعله يصنع كل شئ بحكمة . وقد أعطى اللّه سبحانه