محمد متولي الشعراوي
242
تفسير الشعراوي
فكأنه خليفة اللّه في أرضه . أمده بعطاء الأسباب . فخضع الكون له بإرادة اللّه . وليس بإرادة الانسان . واللّه سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي : « يا بن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك . . وإلا تفعل ملأت يدك شغلا ولم أسدّ فقرك » « 1 » اذن كلمة خليفة . تأخذ عدة معان . . ماذا قالت الملائكة : « قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ » . كيف عرف الملائكة ذلك ؟ لا بد أن هناك حالة قبلها قاسوا عليها . أو أنهم ظنوا أن آدم سيطغى في الأرض . ولكن كلمة سفك وكلمة دم . كيف عرفتهما الملائكة وهي لم تحدث بعد ؟ لا بد أنهم عرفوها من حياة سابقة . واللّه سبحانه وتعالى يقول : وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ( 27 ) ( سورة الحجر ) فكأن الجن قد خلق قبل الانسان . وقوله تعالى : « إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ » . معنى ذلك أن علمك أيها المخلوق مناسب لمخلوقيتك . أما علم اللّه سبحانه وتعالى . . فهو أزلي لا نهائي . ولكن هل قال الملائكة حين أخبرهم اللّه بخلق آدم ذلك علنا أم أسروه في أنفسهم ؟ سواء قالوه أم أسروه . فقد علمه اللّه . لأنه يعلم ما يسرون وما يعلنون . وانه يعلم السر وأخفى . فما هو السر . وما هو الأخفى من السر ؟ السر هو ما أسررته إلى غيرك . فما أسر به إلى غيرى . فهو السر . وما أخفيه في صدري ولا يطلع عليه أحد . هو أخفى من السر . فلا يقال أسررت الا إذا بحت به لغيرى . أما ما أخفيه في صدري . فلا يعلمه أحد الا اللّه . فهذا هو ما أخفى من السر . وعندما يقول الحق سبحانه وتعالى : « إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ » أراد أن يعطى القضية بعدها الحقيقي وقد حكى القرآن الكريم قول الملائكة : « وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
--> ( 1 ) ( رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة ) .