محمد متولي الشعراوي

171

تفسير الشعراوي

ما يجرى في القلوب غيب عنا . . وأراد اللّه أن يقرب هذا المعنى الينا . . فقال : « مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً » . . أي حاول أن يوقد نارا . . والذي يحاول أن يوقد نارا . . لا بد أن له هدفا . . والهدف قد يكون الدفء وقد يكون الطهى . . وقد يكون الضوء وقد يكون غير ذلك . . المهم أن يكون هناك هدف لا يقاد النار . . يقول الحق سبحانه وتعالى : « فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ » . . ذلك انهم في الحيرة التي تملأ قلوبهم . . كانوا قد سمعوا من اليهود أن زمن نبي جديد قد أتى . . فقرروا أن يؤمنوا به . . ولكن ايمانهم لم يكن عن رغبة في الايمان . . ولكنه كان عن محاولة للحصول على أمان دنيوي . . لأن اليهود كانوا يتوعدونهم ويقولون أتى زمن نبي سنؤمن به ونقتلكم به قتل عاد وإرم . . فأراد هؤلاء المنافقون أن يتقوا هذا القتل الذي يتوعدهم به اليهود . . فتصوروا أنهم إذا أعلنوا أنهم آمنوا بهذا النبي نفاقا أن يحصلوا على الأمن . . إن الحق سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة . . انهم أوقدوا هذه النار . . لتعطيهم نورا يريهم طريق الايمان . . وعندما جاء هذا النور بدلا من أن يأخذوا نور الايمان انصرفوا عنه . . وعندما حدث ذلك ذهب اللّه بنورهم . . فلم يبق في قلوبهم شئ من نور الايمان . . فهم الذين طلبوا نور الايمان أولا . . فلما استجاب اللّه لهم انصرفوا عنه . . فكأن الفساد في ذاتهم . . وكأنهم هم الذين بدأوا بالفساد . . وساعة فعلوا ذلك ذهب اللّه بنور الايمان من قلوبهم . ونلاحظ هنا دقة التعبير القرآني . . في قوله تعالى : « ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ » ولم يقل ذهب اللّه بضوئهم . . مع أنهم أوقدوا النار ليحصلوا على الضوء . . فما هو الفرق بين الضوء والنور ؟ . . إذا قرأنا قول الحق سبحانه وتعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً ( من الآية 5 سورة يونس ) نجد أن الضوء أقوى من النور . . والضوء لا يأتي إلا من اشعاع ذاتي . . فالشمس ذاتية الإضاءة . . ولكن القمر يستقبل الضوء ويعكس النور . . وقبل أن