محمد متولي الشعراوي

154

تفسير الشعراوي

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) الفساد في الأرض هو ان تعمد إلى الصالح فتفسده ، وأقل ما يطلب منك في الدنيا ، ان تدع الصالح لصلاحه ، ولا تتدخل فيه لتفسده ، فإن شئت ان ترتقى ايمانيا ، تأت للصالح ، وتزد من صلاحه ، فإن جئت للصالح وأفسدته فقد أفسدت فسادين ، لأن اللّه سبحانه وتعالى ، اصلح لك مقومات حياتك في الكون ، . فلم تتركها على الصلاح الذي خلقت به ، وكان تركها في حد ذاته ، بعدا عن الفساد ، بل جئت إليها ، وهي صالحة بخلق اللّه لها فأفسدتها ، فأنت لم تستقبل النعمة الممنوحة لك من اللّه ، بأن تتركها تؤدى مهمتها في الحياة ، ولم تزد في مهمتها صلاحا ، ولكنك جئت إلى هذه المهمة فأفسدتها . . فلو ان هناك بئرا يشرب منها الناس ، فهذه نعمة لضرورة حياتهم ، تستطيع أنت بأسباب اللّه في كون اللّه ان تأتى وتصلحها ، بأن تبطن جدرانها بالحجارة ، حتى تمنع انهيار الرمال داخلها ، أو ان تأتى بحبل واناء حتى تعين الناس على الوصول إلى مياهها ، ولكنك إذا جئت وردمتها تكون قد أفسدت الصالح في الحياة . وهكذا المنافقون . . انزل اللّه تعالى منهجا للحياة الطيبة للانسان على الأرض ، وهؤلاء المنافقون بذلوا كل ما في جهدهم لإفساد هذا المنهج ، بأن تآمروا ضده وادعوا أنهم مؤمنون به ليطعنوا الاسلام من داخله . ولقد تنبه أعداء الاسلام ، إلى أن هذا الدين القوى الحق ، لا يمكن ان يتأثر بطعنات الكفر ، بل يواجهها ويتغلب عليها . فما قامت معركة بين حق وباطل الا انتصر الحق ، ولقد حاول أعداء الاسلام ان يواجهوه سنوات طويلة ، ولكنهم عجزوا ، ثم تنبهوا إلى أن هذا الدين لا يمكن ان يهزم الا من داخله ، وان استخدام المنافقين في الافساد ، هو الطريقة الحقيقية لتفريق المسلمين ، فانطلقوا إلى المسلمين اسما ليتخذوا منهم الحربة التي يوجهونها ضد الاسلام ، وظهرت مذاهب