محمد متولي الشعراوي
135
تفسير الشعراوي
فاستطعنا أن نستخدم آلات حديثة متطورة تقوم بعملية الحرث والبذر . . ولكن الحقيقة الثابتة التي لم تتغير منذ بداية الكون ولن تتغير حتى نهايته . . هي أن مهمة الانسان أن يحرث ويضع البذرة في الأرض ويسقيها . . أما نمو الزرع نفسه فلا دخل للانسان فيه . . وكذلك الثمر الذي ينتجه لا عمل للإنسان فيه . . ولقد نبهنا اللّه تبارك وتعالى إلى هذه الحقيقة حتى لا نغتر بحركتنا في الحياة ونقول إننا نحن الذين نزرع . . واقرأ قول الحق جل جلاله في سورة الواقعة : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ( 64 ) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ( 65 ) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ( 66 ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 67 ) ( سورة الواقعة ) وهكذا ظلت مهمة الفلاحة في الأرض مقصورة على الحرث والسقي والبذر ، وحينما تلقى الحبة في الأرض يخلق اللّه في داخلها الغذاء الذي يكفيها حتى تستطيع أن تأخذ غذاءها من الأرض . . وإذا جئت بحبة وبللتها تجد أنها قد نبت لها ساق وجذور . . من أين جاء هذا النمو ؟ . من تكوين الحبة نفسه ، واللّه تبارك وتعالى قد قدر في كل حبة من الغذاء ما يكفيها حتى تستطيع أن تتغذى من الأرض . . وعلى قدر كمية الغذاء المطلوبة يكون حجم الحبة . . وحين تضعها في الأرض فإنها تبدأ أولا بأن تغذى نفسها . . بحيث ينبت لها ساق وجذور وورقتان تتنفس منهما . . كل هذا لا دخل لك فيه ولا عمل لك فيه . . وتبدأ الحبة تأخذ غذاءها من الأرض والهواء . . لتنمو حتى تصبح شجرة كبيرة تنتج الثمر من نوع البذرة نفسه . ومن هنا جاءت كلمة ( المفلحون ) . . ليعطينا الحق جل جلاله من الأمور المادية المشهودة ما يعين عقولنا المحدودة على فهم الغيب . . فيشبه التكليف وجزاءه في الآخرة بالبذرة والفلاحة . . أولا لأنك حين ترمى بذرة في الأرض تعطيك بذورا كثيرة . .