محمد متولي الشعراوي
131
تفسير الشعراوي
والسّلام موجودة في التوراة والإنجيل . . ولذلك كان أهل الكتاب ينذرون الكفار بأنهم سيؤمنون بالرسول الجديد ويسودون به العرب . . واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى : وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 89 ) ( سورة البقرة ) أي أن رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لم تكن مفاجئة لأهل الكتاب بل كانوا ينتظرونها . . كانوا يؤكدون أنهم سيؤمنون بها كما تأمرهم به كتبهم . . ولكنهم رفضوا الايمان وأنكروا الرسالة عندما جاء زمنها . . ثم يقول سبحانه وتعالى : « وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ » ونلاحظ هنا أن كلمة ( وَبِالْآخِرَةِ ) قد جاءت . . لأنك إذا تصفحت التوراة التي هي كتاب اليهود ، أو قرأت التلمود لا تجد شيئا عن اليوم الآخر . . فقد أخذوا الأمر المادي فقط من كتبهم . . واللّه تبارك وتعالى أكد الايمان باليوم الآخر حتى عرف الذين يقولون آمنا باللّه وكتبه ورسله ولا يلتفتون إلى اليوم الآخر أنهم ليسوا بمؤمنين . . فلو لم يجئ هذا الوصف في القرآن الكريم ربما قالوا إن الاسلام موافق لما عندنا . . ولكن اللّه جل جلاله يريد تصوير الايمان تصويرا كماليا بأن الايمان باللّه قمة ابتداء والايمان باليوم الآخر قمة انتهاء . . فمن لم يؤمن بالآخرة وأنه سيلقى اللّه وسيحاسبه . . وأن هناك جنة ينعم فيها المؤمن ، ونارا يعذب فيها الكافر يكون ايمانه ناقصا . . ويكون قد اقترب من الكافر الذي جعل الدنيا غايته وهدفه . . فالمؤمن يتبع منهج اللّه في الدنيا ليستحق نعيم اللّه في الآخرة . . فلو أن الآخرة لم تكن موجودة ، لكان الكافر أكثر حظا من المؤمن في الحياة . . لأنه أخذ من الدنيا ما يشتهيه ولم يقيد نفسه بمنهج ، بل أطلق لشهواته العنان . . بينما المؤمن قيّد حركته في الحياة طبقا لمنهج اللّه وتعب في سبيل ذلك . ثم يموت الاثنان وليس بعد ذلك شئ . . فيكون الكافر هو الفائز بنعم الدنيا وشهواتها . والمؤمن لا يأخذ شيئا . والأمر هنا لا يستقيم بالنسبة لقضية الايمان . . ولذلك كان الايمان باللّه قمة الايمان بداية والايمان بالآخرة قمة الايمان نهاية .