محمد متولي الشعراوي

123

تفسير الشعراوي

نقول : عندما تسمع هذه الآيات اعلم أن الجهة منفكة . . يعنى ما نفى غير ما أثبت . . ففي غزوة بدر مثلا أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حفنة من الحصى قذفها في وجه جيش قريش . يأتي القرآن الكريم إلى هذه الواقعة فيقول الحق سبحانه : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ( من الآية 17 سورة الأنفال ) نفى للحدث وإثباته في الآية نفسها . كيف رمى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . . مع أن اللّه تبارك وتعالى قال : « وَما رَمَيْتَ » ؟ ! نقول إنه في هذه الآية الجهة منفكة . الذي رمى هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكن الذي أوصل الحصى إلى كل جيش قريش لتصيب كل مقاتل فيهم هي قدرة اللّه سبحانه وتعالى . فما كان لرمية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حفنة من الحصى يمكن أن تصل إلى كل جيش الكفار ، ولكن قدرة اللّه هي التي جعلت هذا الحصى يصيب كل جندي في الجيش . أما قول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » . فهي هداية دلالة . أي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بتبليغه للقرآن وبيانه لمنهج اللّه قد دل الناس كل الناس على الطريق المستقيم وبينه لهم . وقوله تبارك وتعالى : « إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ » . . أي إنك لا توصل الهداية إلى القلوب لأن اللّه سبحانه وتعالى هو الذي يهدى القلوب ويزيدها هدى وإيمانا . ولذلك أطلقها اللّه تبارك وتعالى قضية ايمانية عامة في قوله : « قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ » فالقرآن الكريم يحمل هداية الدلالة للذين يريدون أن يجعلوا بينهم وبين غضب اللّه وعذابه وقاية .