الشنقيطي

9

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الصغير ، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى ، وما هم بسكارى ، ولكن عذاب اللّه شديد » « 1 » إلى آخر الحديث نحو ما تقدم . فحديث أبي سعيد هذا الذي اتفق عليه الشيخان كما رأيت ، فيه التصريح من النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن الوقت الذي تضع فيه كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى ، وما هم بسكارى ، بعد القيام من القبور كما ترى ، وذلك نص صحيح صريح في محل النزاع . فإن قيل : هذا النص فيه إشكال ، لأنه بعد القيام من القبور لا تحمل الإناث ، حتى تضع حملها من الفزع ، ولا ترضع ، حتى تذهل عما أرضعت . فالجواب عن ذلك من وجهين : الأول : هو ما ذكره بعض أهل العلم ، من أن من ماتت حاملا تبعث حاملا ، فتضع حملها من شدة الهول والفزع ، ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك ، ولكن هذا يحتاج إلى دليل . الوجه الثاني : أن ذلك كناية عن شدة الهول كقوله تعالى يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً ( 17 ) [ المزمل : 17 ] ومثل ذلك من أساليب اللغة العربية المعروفة . تنبيه اعلم أن هذا الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة التي ذكرنا بعضها يرد عليه سؤال ، وهو أن يقال : إذا كانت الزلزلة المذكورة بعد القيام من القبور ، فما معناها ؟ والجواب : أن معناها : شدة الخوف ، والهول ، والفزع ، لأن ذلك يسمى زلزالا ، بدليل قوله تعالى فيما وقع بالمسلمين يوم الأحزاب من الخوف إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً ( 11 ) [ الأحزاب : 10 - 11 ] أي وهو زلزال فزع وخوف ، لا زلزال حركة الأرض ، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ( 1 ) يدل على أن عظم الهول يوم القيامة موجب واضح للاستعداد لذلك الهول ؛ بالعمل الصالح ، في دار الدنيا ، قبل تعذر الإمكان لما قدمنا مرارا من أن إن المشددة المكسورة تدل على التعليل ، كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه ، ومسلك النص الظاهر : أي اتقوا اللّه ، لأن أمامكم أهوالا عظيمة ، لا نجاة منها إلا بتقواه جل وعلا . قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ( 3 )

--> ( 1 ) . أخرجه مسلم في الإيمان حديث 379 .