الشنقيطي
80
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
السرائر وما تخفى الضمائر فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم . الثاني : وبه قال مجاهد والسدي والحسن البصري ، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره أنهم قالوا : لا علم لنا ، لما اعتراهم من شدة هول يوم القيامة ، ثم زال ذلك عنهم فشهدوا على أممهم . والثالث : وهو أضعفها ، أن معنى قوله : ماذا أجبتم ، ماذا عملوا بعدكم ، وما أحدثوا بعدكم ؟ قالوا : لا علم لنا . ذكر ابن كثير وغيره هذا القول ، ولا يخفى بعده عن ظاهر القرآن . قوله تعالى : قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ [ 115 ] . هذه الآية الكريمة تدل على أن أشد الناس عذابا يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة . وقد جاء في بعض الآيات ما يوهم خلاف ذلك كقوله : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [ النساء : 145 ] وقوله وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [ غافر : 46 ] . والجواب : أن آية أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ وآية : إِنَّ الْمُنافِقِينَ * لا منافاة بينهما ، لأن كلا من آل فرعون والمنافقين في أسفل دركات النار في أشد العذاب ، وليس في الآيتين ما يدل على أن بعضهم أشد عذابا من الآخر . وأما قوله : فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ الآية . فيجاب عنه من وجهين : الأول : وهو ما قاله ابن كثير : أن المراد بالعالمين عالمو زمانهم وعليه فلا إشكال ، ونظيره قوله تعالى : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [ البقرة : 47 ] كما تقدم . الثاني : ما قاله البعض : من أن المراد به العذاب الدنيوي الذي هو مسخهم خنازير ، ولكن يدل لأنه عذاب الآخرة ما رواه ابن جرير عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما أنه قال : « أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة : المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون » « 1 » .
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 7 / 88 .