الشنقيطي

72

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

مسائل مهمة تتعلق بهذه المباحث المسألة الأولى - اعلم أن كثيرا من العلماء من المالكية والشافعية وغيرهم يفرقون بين ما ذبحه أهل الكتاب لصنم ، وبين ما ذبحوه لعيسى أو جبريل ، أو لكنائسهم . قائلين إن الأوّل مما أهل به لغير اللّه دون الثاني فمكروه عندهم كراهة تنزيه ، مستدلين بقوله تعالى وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [ المائدة : 3 ] . والذي يظهر لمقيده عفا اللّه عنه : أن هذا الفرق باطل بشهادة القرآن لأن الذبيح على وجه القربة عبادة بالإجماع ، وقد قال تعالى فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ( 2 ) [ الكوثر : 2 ] . وقال تعالى قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ [ الأنعام : 162 ] الآية . فمن صرف شيئا من ذلك لغير اللّه فقد جعله شريكا مع اللّه في هذه العبادة التي هي الذبح ، سواء كان نبيا أو ملكا أو بناء أو شجرا أو حجرا أو غير ذلك . لا فرق في ذلك بين صالح وطالح ، كما نص عليه تعالى بقوله وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً [ آل عمران : 80 ] . ثم بين أن فاعل ذلك كافر بقوله تعالى أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 80 ) [ آل عمران : 80 ] . وقال تعالى ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [ آل عمران : 79 ] الآية . وقال تعالى قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [ آل عمران : 64 ] الآية ، فإن قيل : قد رخص في أكل ما ذبحوه لكنائسهم أبو الدرداء وأبو أمامة الباهلي والعرباض بن سارية والقاسم بن مخيمرة وحمزة بن حبيب وأبو سلمة الخولاني وعمر بن الأسود ومكحول والليث بن سعد وغيرهم . فالجواب : أن هذا قول جماعة من العلماء من الصحابة ومن بعدهم ، وقد خالفهم فيه غيرهم ، وممن خالفهم أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها والإمام الشافعي رحمه اللّه ، واللّه تعالى يقول : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ [ النساء : 59 ] الآية ، فنرد هذا النزاع إلى اللّه فنجده حرم ما أهل به لغير اللّه .