الشنقيطي

7

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

هُدىً لِلنَّاسِ [ البقرة : 185 ] الآية . ووجه الجمع بينهما أن الهدى يستعمل في القرآن استعمالين : أحدهما عام ، والثاني خاص . أما الهدى العام فمعناه إبانة طريق الحق وإيضاح المحجة ، سواء سلكها المبين له أم لا . ومنه بهذا المعنى قوله تعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ [ فصلت : 17 ] أي بينا لهم طريق الحق على لسان نبينا صالح عليه وعلى نبينا الصلاة السلام ، مع أنهم لم يسلكوها بدليل قوله عز وجل : فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [ فصلت : 17 ] . ومنه أيضا قوله تعالى : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ [ الإنسان : 3 ] ، أي بينا له طريق الخير والشر ، بدليل قوله : إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [ الإنسان : 3 ] . وأما الهدى الخاص فهو تفضل اللّه بالتوفيق على العبد . ومنه بهذا المعنى قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [ الأنعام : 90 ] الآية . وقوله : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [ الأنعام : 125 ] . فإذا علمت ذلك فاعلم أن الهدى الخاص بالمتقين هو الهدى الخاص ، وهو التفضل بالتوفيق عليهم ، والهدى العام للناس هو الهدى العام ، وهو إبانة الطريق وإيضاح المحجة ، وبهذا يرتفع الإشكال أيضا بين قوله تعالى : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [ القصص : 56 ] مع قوله : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الشورى : 52 ] لأن الهدى المنفي عنه صلى اللّه عليه وسلم هو الهدى الخاص ، لأن التوفيق بيد اللّه وحده ، ومن يرد اللّه فتنته فلن تملك له من اللّه شيئا . والهدى المثبت له هو الهدى العام الذي هو إبانة الطريق ، وقد بينها صلى اللّه عليه وسلم حتى تركها محجة بيضاء ليلها كنهارها ، واللّه يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط المستقيم . قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) . هذه الآية تدل بظاهرها على عدم إيمان الكفار ، وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أن بعض الكفار يؤمن باللّه ورسوله كقوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [ الأنفال : 38 ] الآية ، وكقوله : كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [ النساء : 94 ] ، وكقوله : وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ [ العنكبوت : 47 ] .