الشنقيطي
66
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
منها : قوله صلى اللّه عليه وسلم « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » « 1 » . وقوله صلى اللّه عليه وسلم « والإثم ما حاك في النفس » « 2 » الحديث . وقوله صلى اللّه عليه وسلم « فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه » « 3 » . ومنها : أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح كما تقرر في الأصول . وينبني على ذلك أن النهي إذا تعارض مع الإباحة كما هنا . فالنهي أولى بالتقديم والاعتبار ، لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام . بل صرح جماهير من الأصوليين بأن النص الدال على الإباحة في المرتبة الثالثة من النص الدال على نهي التحريم لأن نهي التحريم مقدم على الأمر الدال على الوجوب لما ذكرنا من تقديم درء المفاسد على جلب المصالح ، والدال على الأمر مقدم على الدال على الإباحة للاحتياط في البراءة من عهده الطلب وقد أشار إلى هذا صاحب مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار المدلول بقوله : وناقل ومثبت والآمر * بعد النواهي ثم هذا الآخر على إباحة إلخ . . فإن معنى قوله : والآمر بعد النواهي ، أن ما دل على الأمر بعد ما دل على النهي ، فالدال على النهي هو المقدم وقوله ثم هذا الآخر على إباحة . يعني أن النص الدال على الأمر مقدم على الإباحة كما ذكرنا فتحصل أن الأول النهي فالأمر فالإباحة ، فظهر تقديم النهي عما أهل به لغير اللّه على إباحة طعام أهل الكتاب . واعلم أن العلماء اختلفوا فيما حرم على أهل الكتاب كشحم الجوف من البقر والغنم على اليهود ، هل يباح المسلم مما ذبحه اليهودي ؟ فالجمهور على إباحة ذلك للمسلم لأن الذكاة لا تتجزأ ، وكرهه مالك ومنعه بعض أصحابه كابن القاسم وأشهب . واحتج عليهم الجمهور بحجج لا ينهض الاحتجاج بها عليهم فيما يظهر وإيضاح ذلك أن أصحاب مالك احتجوا بقوله تعالى : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ [ المائدة : 5 ] قالوا : المحرم عليهم ليس من طعامهم حتى يدخل فيما أحلته الآية .
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الأول . ( 2 ) سبق تخريجه في الجزء الأول . ( 3 ) سبق تخريجه في الجزء الأول .