الشنقيطي
59
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
في كفارة الظهار واليمين عن قيد الإيمان ، حيث قال في كل منهما فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ولم يقل « مؤمنة » . وهذه المسألة من مسائل تعارض المطلق والمقيد وحاصل تحرير المقام فيها : أن المطلق والمقيد لهما أربع حالات : الأولى : أن يتفق حكمهما وسببهما كآية الدم التي تقدم الكلام عليها ، فجمهور العلماء يحملون المطلق على المقيد في هذه الحالة التي هي اتحاد السبب والحكم معا ، وهو أسلوب من أساليب اللغة العربية لأنهم يثبتون ثم يحذفون اتكالا على المثبت : كقول الشاعر وهو قيس بن الخطيم : نحن بما عندنا وأنت بما عن * دك راض والرأي مختلف فحذف راضون لدلالة راض عليها ، ونظيره أيضا قول ضابىء بن الحارث البرجمي : فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإني وقيارا بها لغريب وقول عمرو بن أحمر الباهلي : رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن أجل الطوى رماني وقال بعض العلماء : إن حمل المطلق على المقيد بالقياس ، وقيل : بالعقل وهو أضعفها . واللّه تعالى أعلم . الحالة الثانية : أن يتحد الحكم ويختلف السبب ، كما في هذه الآية فإن الحكم متحد وهو عتق رقبة ، والسبب مختلف وهو قتل خطأ وظهار مثلا ، ومثل هذا المطلق يحمل على المقيد عند الشافعية والحنابلة وكثير من المالكية ، ولذا أوجبوا الإيمان في كفارة الظهار حملا للمطلق على المقيد خلافا لأبي حنيفة . ويدل لحمل هذا المطلق على المقيد . قوله صلى اللّه عليه وسلم في قصة معاوية بن الحكم السلمي : « اعتقها فإنها مؤمنة » « 1 » ولم يستفصله عنها هل هي كفارة أو لا ، وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال ، قال في مراقي السعود : ونزلن ترك الاستفصال * منزلة العموم في الأقوال الحالة الثالثة : عكس هذه ، وهي الاتحاد في السبب مع الاختلاف في الحكم .
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الرابع .