الشنقيطي
52
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
وقد تقرر في الأصول أن أخذ الأحكام من مظانها أولى من أخذها لا من مظانها . الثاني : أن آية أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ليست باقية على عمومها بإجماع المسلمين لأن الأخت من الرضاع لا تحل بملك اليمين إجماعا للإجماع على أن عموم أو ما ملكت أيمانهم يخصصه عموم : وأخواتكم من الرضاعة ، وموطوءة الأب لا تحل بملك اليمين إجماعا للإجماع على أن عموم أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ يخصصه عموم وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ [ النساء : 22 ] الآية . والأصح عند الأصوليين في تعارض العام الذي دخله التخصيص مع العام الذي لم يدخله التخصيص هو تقديم الذي لم يدخله التخصيص ووجهه ظاهر . الثالث : أن عموم وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ غير وارد في معرض مدح ولا ذم ، وعموم أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ وارد في معرض مدح المتقين . والعام الوارد في معرض المدح أو الذم اختلف العلماء في اعتبار عمومه فأكثر العلماء على أن عمومه معتبر كقوله إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [ الانفطار : 13 - 14 ] فإنه يعم كل بر مع أنه للمدح ، وكل فاجر مع أنه للذم . وخالف في ذلك بعض العلماء منهم الإمام الشافعي رحمه اللّه قائلا : إن العام الوارد في معرض المدح أو الذم لا عموم له ، لأن المقصود منه الحث في المدح والزجر في الذم . ولذا لم يأخذ الإمام الشافعي بعموم قوله تعالى وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ التوبة : 34 ] في الحلى المباح لأن الآية سيقت للذم فلا تعم عنده الحلى المباح ، فإذا حققت ذلك فاعلم أن العام الذي لم يقترن بما يمنع اعتبار عمومه أولى من المقترن بما يمنع اعتبار عمومه عند بعض العلماء . الرابع : أنا لو سلمنا المعارضة بين الآيتين فالأصل في الفروج التحريم ، حتى يدل دليل لا معارض له على الإباحة . الخامس : أن العموم المقتضى للتحريم أولى من المقتضى للإباحة لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام كما سيأتي تحقيقه إن شاء اللّه في سورة المائدة . والعلم عند اللّه تعالى . فهذه الأوجه الخمسة التي بينا يرد بها استدلال داود الظاهري بهذه الآية الكريمة