الشنقيطي

24

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

تعالى في سورة الأنعام : إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [ الأنعام : 145 ] الآية . والجواب : أن هذه المسألة من مسائل تعارض المطلق والمقيد ، والجاري على أصول مالك والشافعي وأحمد ، حمل المطلق على المقيد لا سيما مع اتحاد الحكم والسبب ، كما هنا ، وسواء عندهم تأخر المطلق عن المقيد كما هنا أو تقدم ، وإنما قلنا هنا إن المطلق متأخر عن المقيد ، لأن القيد في سورة الأنعام ، وهي نزلت قبل النحل مع أنهما مكيتان إلا آيات معروفة ، والدليل على أن الأنعام قبل النحل قوله تعالى في النحل وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ [ النحل : 118 ] الآية ، والمراد به ما قص عليه في الأنعام بقوله وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [ الأنعام : 146 ] الآية . وأما كون الأنعام نزلت قبل البقرة والمائدة فواضح ، لأن الأنعام مكية بالإجماع إلا آيات منها ، والبقرة مدنية بالإجماع والمائدة من آخر ما نزل من القرآن ولم ينسخ منها شيء لتأخرها . وعلى هذا فالدم إذا كان غير مسفوح كالحمرة التي تظهر في القدر من أثر تقطيع اللحم فهو ليس بحرام لحمل المطلق على المقيد ، وعلى هذا كثير من العلماء ، وما ذكرنا من عدم النسخ في المائدة ، قال به جماعة وهو على القول بأن قوله تعالى فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ [ المائدة : 42 ] الآية . وقوله أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ [ المائدة : 106 ] غير منسوخين صحيح وعلى القول بنسخهما لا يصح على الإطلاق ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ 174 ] الآية . هذه الآية تدل بظاهرها على أن اللّه لا يكلم الكفار يوم القيامة ، لأن قوله تعالى وَلا يُكَلِّمُهُمُ فعل في سياق النفي ، وقد تقرر في علم الأصول أن الفعل في سياق النفي من صيغ العموم ، وسواء كان الفعل متعديا أو لازما على التحقيق ، خلافا للغزالي القائل بعمومه في المتعدي دون اللازم . وخلاف الإمام أبي حنيفة رحمه اللّه في ذلك خلاف في حال لا في حقيقة لأنه يقول إن الفعل في سياق النفي ليس صيغة للعموم ، ولكنه يدل عليه بالالتزام أي لأنه يدل على نفي الحقيقة ونفيها يلزمه نفي جميع الأفراد . فقوله : لا أكلت مثلا ينفي حقيقة الأكل فيلزمه نفي جميع أفراده ، وإيضاح عموم