الشنقيطي
22
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
أما في الشهداء فقد نص تعالى على ذلك بقوله : وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ [ البقرة : 154 ] ، وقد فسرها النّبي صلى اللّه عليه وسلم « بأنهم تجعل أرواحهم في حواصل طيور خضر ترتع في الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش فهم يتنعمون بذلك » « 1 » . وأما ما ثبت عنه صلى اللّه عليه وسلم من أنه « لا يسلم عليه أحد إلا رد اللّه عليه روحه حتى يرد عليه السلام » « 2 » « وأن اللّه وكل ملائكته يبلغونه سلام أمته » فإن تلك الحياة أيضا لا يعقل حقيقتها أهل الدنيا لأنها ثابتة له صلى اللّه عليه وسلم ، مع أن روحه الكريمة في أعلى عليين مع الرفيق الأعلى فوق أرواح الشهداء ، فتعلق هذه الروح الطاهرة التي هي في أعلى عليين بهذا البدن الشريف الذي لا تأكله الأرض يعلم اللّه حقيقته ولا يعلمها الخلق . كما قال في جنس ذلك وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ولو كانت كالحياة التي يعرفها أهل الدنيا لما قال الصديق رضي اللّه عنه : أنه صلى اللّه عليه وسلم مات ، ولما جاز دفنه ولا نصب خليفة غيره ، ولا قتل عثمان ولا اختلف أصحابه ولا جرى على عائشة ما جرى ، ولسألوه عن الأحكام التي اختلفو فيها بعده كالعول ، وميراث الجد والإخوة ، ونحو ذلك . وإذا صرح القرآن بأن الشهداء أحياء في قوله تعالى : بَلْ أَحْياءٌ ، وصرح بأن هذه الحياة لا يعرف حقيقتها أهل الدنيا بقوله : وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ، وكان النّبي صلى اللّه عليه وسلم أثبت حياته في القبر بحيث يسمع السلام ويرده وأصحابه الذين دفنوه صلى اللّه عليه وسلم ، لا تشعر حواسهم بتلك الحياة : عرفنا أنها حياة لا يعقلها أهل الدنيا أيضا ، ومما يقرب هذا الذهن حياة النائم ، فإنه يخالف الحي في جميع التصرفات مع أنه يدرك الرؤيا ، ويعقل المعاني . واللّه تعالى أعلم . قال العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى في كتاب الروح ما نصه : ومعلوم بالضرورة أن جسده صلى اللّه عليه وسلم في الأرض طري مطرا ، وقد سأله الصحابة : « كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ؟ فقال : « إن اللّه حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء » « 3 » ولو لم يكن جسده في ضريحه ، لما أجاب بهذا الجواب .
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن مسعود : مسلم في الإمارة حديث 121 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3011 . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) سبق تخريجه في الجزء السادس .