الشنقيطي

183

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة الفتح قوله تعالى : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ [ 1 - 2 ] الآية . لا يخفى ما يسبق إلى الذهن من تنافي هذه العلة ومعلولها ، لأن فتح اللّه لنبيه لا يظهر كونه علة لغفرانه له . والجواب عن هذا من وجهين : الأول : وهو اختيار ابن جرير لدلالة الكتاب والسنة عليه أن المعنى إن فتح اللّه لنبيه يدل بدلالة الالتزام على شكر النّبي لنعمة الفتح ، فيغفر اللّه له ما تقدم وما تأخر بسبب شكره بأنواع العبادة على تلك النعمة ، فكأن شكر النّبي لازم لنعمة الفتح ، والغفران مرتب على ذلك اللازم . أما دلالة الكتاب على هذا ففي قوله تعالى إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ( 2 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [ النصر : 1 - 3 ] . فصرح في هذه السورة الكريمة بأن تسبيحه بحمد ربه واستغفاره لربه شكرا على نعمة الفتح سبب لغفران ذنوبه ، لأنه رتب تسبيحه بحمده واستغفاره بالفاء على مجيء الفتح والنصر ، ترتيب المعلوم على علته ، ثم بين أن ذلك الشكر سبب الغفران بقوله : إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [ النصر : 3 ] . أما دلالة السنة ففي قوله صلى اللّه عليه وسلم لما قال له بعض أصحابه : لا تجهد نفسك بالعمل ، فإن اللّه غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر « أفلا أكون عبدا شكورا ؟ » « 1 » . فبين صلى اللّه عليه وسلم أن اجتهاده في العمل لشكر تلك النعمة وترتب الغفران على الاجتهاد في العمل لا خفاء به . الوجه الثاني : أن قوله « إنا فتحنا » يفهم منه بدلالة الالتزام الجهاد في سبيل اللّه ، لأنه السبب الأعظم في الفتح ، والجهاد سبب لغفران الذنوب ، فيكون المعنى ليغفر لك اللّه بسبب جهادك المفهوم من ذكر الفتح . والعلم عند اللّه تعالى .

--> ( 1 ) أخرجه عن المغيرة بن شعبة : البخاري في التهجد بالليل حديث 1130 ، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم حديث 79 و 80 و 81 .