الشنقيطي

149

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

[ التحريم : 11 ] مع قوله وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ( 43 ) [ العنكبوت : 43 ] . فدل ذلك على أن تقييض الخبيثة للطيب أو الطيبة للخبيث فيه حكمة لا يعقلها إلا العلماء ، وهي في تقييض الخبيثة للطيب أن يبين للناس أن القرابة من الصالحين لا تنفع الإنسان ، وإنما ينفعه عمله . ألا ترى أن أعظم ما يدافع عنه الإنسان زوجته وأكرم الخلق على اللّه رسله ، فدخول امرأة نوح وامرأة لوط النار ، كما قال تعالى : فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [ التحريم : 10 ] فيه أكبر واعظ وأعظم زاجر من الاغتراز بالقرابة من الصالحين والأعلام ، بأن الإنسان إنما ينفعه عمله لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [ النساء : 123 ] الآية . كما أن دخول امرأة فرعون الجنة يعلم منه أن الإنسان إذا دعته الضرورة لمخالطة الكفار من غير اختياره ، وأحسن عمله وصبر على القيام بدينه أنه يدخل الجنة ولا يضره خبث الذين يخالطهم ويعاشرهم فالخبيث خبيث وإن خالط الصالحين ، كامرأة نوح ولوط ، والطيب طيب وإن خالط الأشرار كامرأة فرعون ، ولكن مخالطة الأشرار لا تجوز اختيارا ، كما دلت عليه أدلة أخر . قوله تعالى : حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [ 39 ] . لا يخفى ما يسبق إلى الذهن فيه من أن الضمير في قوله : جاءه يدل على شيء موجود واقع عليه المجيء ، لأن وقوع المجيء على العدم لا يعقل . ومعلوم أن الصفة الإضافية لا تتقوم إلا بين متضائفين ، فلا تدرك إلا بإدراكهما فلا يعقل وقوع المجيء بالفعل إلا بإدراك فاعل وقع منه المجيء ، وقوله تعالى : لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً يدل على عدم وجود شيء يقع عليه المجيء ، في قوله تعالى : جاءَهُ . والجواب عن هذا من وجهين . ذكرهما ابن جرير في تفسير هذه الآية ، قال : فإن قال قائل : وكيف قيل : حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، فإن لم يكن السراب شيئا ، فعلام دخلت الهاء في قوله « حتى إذا جاءه » ؟ قيل : إنه شيء يرى من بعيد كالضباب الذي يرى كثيفا من بعيد ، والهباء فإذا قرب منه دق وصار كالهواء ، وقد يحتمل أن يكون معناه : حتى إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا ، فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه . انتهى منه بلفظه . والوجه الأول أظهر عندي بدليل قوله : وقد يحتمل أن يكون معناه إلخ . . .