الشنقيطي

143

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

سجودهم مع النّبي صلى اللّه عليه وسلم حتى رجع المهاجرون من الحبشة ، ظنا منهم أن قومهم أسلموا ، فوجدوهم على كفرهم » « 1 » . وعلى هذا الذي ذكره كثير من المفسرين : فسلطان الشيطان بلغ إلى حد أدخل به في القرآن ، على لسان النّبي صلى اللّه عليه وسلم الكفر البواح ، حسبما يقتضيه ظاهر القصة المزعومة . فالجواب : أن قصة الغرانيق مع استحالتها شرعا لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج ، وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من العلماء ، كما بيناه بيانا شافيا في رحلتنا . والمفسرون يروون هذه القصة عن ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، ومعلوم أن الكلبي متروك . وقد بين البزار أنها لا تعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع في وصله . وقد اعترف الحافظ ابن حجر مع انتصاره لثبوت هذه القصة ، بأن طرقها كلها ، إما منقطعة أو ضعيفة ، إلا طريق سعيد بن جبير . وإذا علمت ذلك فاعلم أن طريق سعيد بن جبير لم يروها بها أحد متصلة إلا أمية بن خالد ، وهو وإن كان ثقة فقد شك في وصلها ، فقد أخرج البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب ، ثم ساق حديث القصة المذكورة . وقال : البزار ، لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد ، تفرد بوصله أمية بن خالد ، وهو ثقة مشهور . وقال البزار : وإنما يروى من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ، والكلبي متروك . فتحصل أن قصة الغرانيق لم ترد متصلة إلا من هذا الطريق الذي شك راويه في الوصل ، وما كان كذلك فضعفه ظاهر . ولذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره : أنه لم يرها مسندة من وجه صحيح . وقال العلامة الشوكاني في هذه القصة : ولم يصح شيء من هذا ولا ثبت بوجه من الوجوه ومع عدم صحته بل بطلانه . فقد دفعه المحققون بكتاب اللّه كقوله : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ [ الحاقة : 44 ] الآية . وقوله : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) [ النجم : 3 ] وقوله : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ [ الإسراء : 74 ] الآية .

--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الخامس .