الشنقيطي
110
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
قال : « إن اللّه قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه على الماء » « 1 » . وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين رضي اللّه عنه عن النّبي صلى اللّه عليه وسلم « كلّ ميسر لما خلق له » « 2 » . وإذا تقرر أن قوله تعالى وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [ 119 ] معناه أنه خلقهم لسعادة بعض وشقاوة بعض ، كما قال وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ [ الأعراف : 179 ] الآية وقال هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ التغابن : 2 ] فلا يخفى ظهور التعارض بين هذه الآيات مع قوله تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه : الأول : ونقله ابن جرير عن زيد بن أسلم وسفيان : أن معنى الآية إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي يعبدني السعداء منهم ويعصيني الأشقياء ، فالحكمة المقصودة من إيجاد الخلق التي هي عبادة اللّه حاصلة بفعل السعداء منهم . كما أشار له قوله تعالى فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ [ الأنعام : 89 ] . وغاية ما يلزم على هذا القول أنه أطلق المجموع وأراد بعضهم ، وقد بينا أمثال ذلك من الآيات التي أطلق فيها المجموع مرادا بعضه في سورة الأنفال . الوجه الثاني - هو ما رواه ابن جرير عن ابن عباس واختاره ابن جرير أن معنى قوله : إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذاريات : 56 ] أي إلا ليقروا إليّ بالعبودية طوعا أو كرها ، لأن المؤمن يطيع باختياره ، والكافر مذعن منقاد لقضاء ربه جبرا عليه . الوجه الثالث - ويظهر لي أنه هو الحق ، لدلالة القرآن عليه : أن الإرادة في قوله وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ إرادة كونية قدرية والإرادة في قوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] ، إرادة شرعية دينية ، فبين في قوله وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ، وقوله وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ الأعراف : 179 ] أنه أراد بإرادته الكونية القدرية صيرورة قوم إلى السعادة ، وآخرين إلى الشقاوة . وبين بقوله : إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] أنه يريد العبادة بإرادته الشرعية
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 16 . ( 2 ) سبق تخريجه في الجزء السابع .