الشنقيطي

11

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

أنهم لم يكونوا يعلمون أن من صفاتها كون الناس والحجارة وقودا لها فنزلت اية التحريم . فعرفوا منها ذلك من صفات النار ، ثم لما كانت معروفة عندهم نزلت آية البقرة ، فعرفت فيها النار بأل العهدية لأنها معهودة عندهم في آية التحريم . ذكر هذا الجمع البيضاوي والخطيب في تفسيريهما ، وزعما أن آية التحريم نزلت بمكة . وظاهر القرآن يدل على هذا الجمع لأن تعريف النار هنا بأل العهدية يدل على عهد سابق والموصول وصلته دليل على العهد وعدم قصد الجنس ، ولا ينافي ذلك أن سورة التحريم مدنية . وأن الظاهر نزولها بعد البقرة . كما روي عن ابن عباس لجواز كون الآية مكية في سورة مدنية كالعكس . قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [ 29 ] الآية . هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء بدليل لفظة ثم التي هي للترتيب والانفصال ، وكذلك آية حم السجدة ، تدل أيضا على خلق الأرض قبل خلق السماء لأنه قال فيها : * قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [ فصلت : 9 ] إلى أن قال : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [ فصلت : 11 ] الآية . مع أن آية النازعات تدل على أن دحو الأرض بعد خلق السماء ، لأنه قال فيها : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها [ النازعات : 27 ] . ثم قال : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [ النازعات : 30 ] . اعلم أولا أن ابن عباس رضي اللّه عنهما سئل عن الجمع بين آية السجدة وآية النازعات ، فأجاب بأن اللّه تعالى خلق الأرض أولا قبل السماء غير مدحوة ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعا في يومين ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسي والأنهار وغير ذلك ، فأصل خلق الأرض قبل خلق السماء ودحوها بجبالها وأشجارها ونحو ذلك بعد خلق السماء ، ويدل لهذا أنه قال : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [ النازعات : 30 ] ولم يقل خلقها ، ثم فسر دحوه إياها بقوله : أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها [ النازعات : 31 ] الآية . وهذا الجمع الذي جمع به ابن عباس بين هاتين الآيتين واضح لا إشكال فيه ، مفهوم من ظاهر القرآن العظيم ، إلا أنه يرد عليه إشكال من آية البقرة هذه . وإيضاحه أن ابن عباس جمع بأن خلق الأرض قبل خلق السماء ودحوها بما فيها بعد خلق السماء .