الشنقيطي
109
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
وذلك قوله تعالى : فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ [ الحجر : 52 ] . والجواب ظاهر وهو أن إبراهيم أجابهم بكلا الأمرين : رد السلام ، والإخبار يوجله منهم ، فذكر أحدهما في هود والآخر في الحجر ، ويدل لذلك ذكره تعالى ما يدل عليهما معا في سورة الذاريات في قوله : قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ( 69 ) [ هود : 69 ] ، لأن قوله منكرون يدل على وجله منهم ، ويوضح ذلك قوله تعالى : فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [ الذاريات : 28 ] في هود والذاريات ، مع أن في كل منهما قال سلام . قوله تعالى : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [ 108 ] . تقدم وجه الجمع بينه وبين الآيات التي يظن تعارضها معه كقوله تعالى : خالِدِينَ فِيها أَبَداً * في سورة الأنعام ، وسيأتي له إن شاء اللّه زيادة إيضاح في سورة النبأ . قوله تعالى : وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [ 118 - 119 ] . اختلف العلماء في المشار إليه بقوله : « ذلك » فقيل إلا من رحم ربك وللرحمة خلقهم - والتحقيق أن المشار إليه هو اختلافهم إلى شقي وسعيد المذكور في قوله وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ولذلك الاختلاف خلقهم فخلق فريقا للجنة وفريقا للسعير ، كما نص عليه بقوله تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ الأعراف : 179 ] الآية وأخرج الشيخان في صحيحهما من حديث ابن مسعود رضي اللّه عنه « ثم يبعث اللّه إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات : فيكتب رزقه وأجله وعمله وشفى أم سعيد » « 1 » وروى مسلم من حديث عائشة رضي اللّه عنها : « يا عائشة ! إن اللّه خلق الجنة وخلق لها أهلا ، وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم » « 2 » . وفي صحيح مسلم من حديث عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الخامس . ( 2 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 31 .