جلال الدين السيوطي
666
الإتقان في علوم القرآن
نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه ، فإذا كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة ، لأنّ هذا شأن المكتوب . وقد يقال : لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر ، ولم يعرّج على مقالة الناس ؛ لأنّ مقالة الناس لا تصلح مانعا . وبالجملة هذه الملازمة مشكلة ، ولعله كان يعتقد أنه خبر واحد ، والقرآن لا يثبت به ، وإن ثبت الحكم ، ومن هنا أنكر ابن ظفر في « الينبوع » « 1 » عدّ هذا مما نسخ تلاوته ، قال : لأنّ خبر الواحد لا يثبت القرآن . قال « 2 » : وإنما هذا من المنسأ لا النسخ ، وهما مما يلتبسان ، والفرق بينهما أن المنسأ لفظه قد يعلم حكمه . انتهى . وقوله : ( لعله كان يعتقد أنه خبر واحد ) مردود ، فقد صح أنه تلقاها من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وأخرج الحاكم من طريق كثير بن الصلت ، قال ؛ كان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص يكتبان المصحف ، فمرّا على هذه الآية ، فقال زيد : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة » ، فقال عمر : لما نزلت أتيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت : أكتبها ؟ فكأنه كره ذلك ، فقال عمر : ألا ترى أنّ الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد ، وأنّ الشّاب إذا زنى وقد أحصن رجم « 3 » . قال ابن حجر في شرح المنهاج « 4 » : فيستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ تلاوتها ؛ لكون العمل على غير الظاهر من عمومها . قلت : وخطر لي في ذلك نكتة حسنة ، وهو أنّ سببه التخفيف على الأمّة بعدم اشتهار تلاوتها وكتابتها في المصحف ، وإن كان حكمها باقيا ؛ لأنه أثقل الأحكام وأشدّها ، وأغلظ الحدود ، وفيه الإشارة إلى ندب الستر . وأخرج النسائيّ « 5 » : أنّ مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت : ألا تكتبها في
--> ( 1 ) كتاب الينبوع في التفسير لأبي عبد الله بن ظفر محمد بن محمد الصقلي المتوفى سنة 568 ه . ومنه أجزاء خطية متفرقة من نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم ( 310 ) تفسير . ( 2 ) أي صاحب الينبوع . ونقله في البرهان 2 / 36 . ( 3 ) رواه النسائي في كتاب الرجم من سننه الكبرى ، حديث رقم ( 7145 ) 4 / 270 . من طريق كثير بن الصلت ، قال : قال زيد بن ثابت . وحديث رقم ( 7148 ) 4 / 271 عن محمد ، قال : نثبت عن ابن أخي كثير بن الصلت ، قال : كنا عند مروان وفينا زيد بن ثابت . . . فذكره . والحاكم في المستدرك 2 / 360 . ( 4 ) انظر فتح الباري 1 / 143 ، ولعل الصواب : شرح البخاري . ( 5 ) حديث رقم ( 7148 ) 4 / 271 من سننه الكبرى ، وفي سنده انقطاع ، كما سبق ذكره .