جلال الدين السيوطي

659

الإتقان في علوم القرآن

وأمّا ما ورد في القرآن ناسخا لما كان عليه الجاهلية ، أو كان في شرع من قبلنا ، أو في أوّل الإسلام ، فهو أيضا قليل العدد ؛ كنسخ استقبال بيت المقدس بآية القبلة ، وصوم عاشوراء بصوم رمضان ؛ في أشياء أخر حرّرتها في كتابي المشار إليه . فوائد منثورة : قال بعضهم « 1 » : ليس في القرآن ناسخ إلّا والمنسوخ قبله في الترتيب ، إلّا في آيتين : آية العدّة في البقرة ، وقوله : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ [ الأحزاب : 52 ] . تقدّم . وزاد بعضهم ثالثة ، وهي آية الحشر في الفيء على رأي من قال : إنها منسوخة بآية الأنفال : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ [ الأنفال : 41 ] . وزاد قوم رابعة ، وهي قوله : خُذِ الْعَفْوَ [ الأعراف : 199 ] . يعني الفضل من أموالهم ، على رأي من قال : إنها منسوخة بآية الزكاة . وقال ابن العربي « 2 » : كلّ ما في القرآن من الصفح عن الكفار ، والتولي والإعراض والكفّ عنهم ، فهو منسوخ بآية السيف ، وهي : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الآية [ التوبة : 5 ] . نسخت مائة وأربعا وعشرين آية « 3 » ، ثم نسخ آخرها أوّلها . انتهى . وقد تقدّم ما فيه . وقال أيضا « 4 » : من عجيب المنسوخ قوله تعالى : خُذِ الْعَفْوَ الآية ، فإن أوّلها وآخرها ، وهو : وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعراف : 199 ] . منسوخ ، ووسطها محكم ؛ وهو وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [ الأعراف : 199 ] . وقال : من عجيبه - أيضا - آية أولها منسوخ وآخرها ناسخ ، ولا نظير لها ، وهي قوله : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [ المائدة : 105 ] . يعني بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ فهذا ناسخ لقوله : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ . وقال السعيديّ : لم يمكث منسوخ مدة أكثر من قوله تعالى : قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 9 ] الآية ، مكثت ستة عشرة سنة حتى نسخها أوّل الفتح عام الحديبية .

--> ( 1 ) هو القاضي أبو المعالي ، كما في البرهان 2 / 38 . ( 2 ) نقل كلامه في البرهان 2 / 40 . ( 3 ) انظر الموجز في الناسخ والمنسوخ لابن خزيمة ص 274 . ( 4 ) نقله كلامه في البرهان 2 / 41 .