جلال الدين السيوطي

652

الإتقان في علوم القرآن

والذي أقوله : إنّ الذي أورده المكثرون أقسام : قسم ليس من النسخ في شيء ولا من التخصيص : ولا له بهما علاقة بوجه من الوجوه . وذلك مثل قوله تعالى : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [ البقرة : 1 ] . أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ [ البقرة : 254 ] ونحو ذلك . قالوا : إنه منسوخ بآية الزكاة ، وليس كذلك بل هو باق : أمّا الأولى : فإنها خبر في معرض الثناء عليهم بالإنفاق ، وذلك يصلح أن يفسّر : بالزكاة ، وبالإنفاق على الأهل ، وبالإنفاق في الأمور المندوبة كالإعانة والإضافة . وليس في الآية ما يدلّ على أنها نفقة واجبة غير الزكاة . والآية الثانية : يصلح حملها على الزكاة ، وقد فسّرت بذلك . وكذا قوله تعالى : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ( 8 ) [ التين : 8 ] قيل : إنها مما نسخ بآية السيف ، وليس كذلك ؛ لأنه تعالى أحكم الحاكمين أبدا ، لا يقبل هذا الكلام النّسخ ، وإن كان معناه الأمر بالتفويض وترك المعاقبة . وقوله في البقرة : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [ البقرة : 83 ] عدّه بعضهم من المنسوخ بآية السيف . وقد غلّطه ابن الحصار بأنّ الآية حكاية عمّا أخذه على بني إسرائيل من الميثاق ، فهو خبر لا نسخ فيه ، وقس على ذلك . وقسم هو من قسم المخصوص ، لا من قسم المنسوخ : وقد اعتنى ابن العربيّ بتحريره فأجاد ، كقوله : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [ العصر : 2 ، 3 ] . وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ( 224 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ( 225 ) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ( 226 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [ الشعراء : 224 ، 227 ] . فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [ البقرة : 109 ] وغير ذلك من الآيات التي خصّت باستثناء أو غاية ، وقد أخطأ من أدخلها في المنسوخ . ومنه قوله : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [ البقرة : 221 ] . قيل إنّه نسخ بقوله : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [ المائدة : 5 ] وإنما هو مخصوص به . وقسم رفع ما كان عليه الأمر في الجاهلية أو في شرائع من قبلنا ، أو في أوّل الإسلام ولم ينزل في القرآن : كإبطال نكاح نساء الآباء ، ومشروعيّة القصاص والدّية ، وحصر الطّلاق في الثلاث . وهذا إدخاله في قسم الناسخ قريب ، ولكن عدم إدخاله أقرب ، وهو