جلال الدين السيوطي
645
الإتقان في علوم القرآن
قال : هل هي مجملة بنفسها أم بعارض ما نهي عنه من البيوع ؟ وجهان . وهل الإجمال في المعنى المراد دون لفظها ؛ لأن لفظ البيع اسم لغويّ معناه معقول ، لكن لما قام بإزائه من السنة ما يعارضه تدافع العمومان ، ولم يتعيّن المراد إلّا ببيان السنّة ، فصار مجملا لذلك دون اللفظ ، أو في اللفظ أيضا ؛ لأنّه لمّا لم يكن المراد منه ما وقع عليه الاسم ، وكانت له شرائط غير معقولة في اللغة كان مشكلا أيضا ؟ وجهان . قال : وعلى الوجهين لا يجوز الاستدلال بها على صحة بيع ولا فساده ؛ وإن دلّت على صحة البيع من أصله ، قال : وهذا هو الفرق بين العموم والمجمل ؛ حيث جاز الاستدلال بظاهر العموم ولم يجز الاستدلال بظاهر المجمل . والقول الثالث : أنّها عامّة مجملة معا ، قال : واختلف في وجه ذلك على أوجه : أحدها : أنّ العموم في اللفظ والإجمال في المعنى ، فيكون اللفظ عاما مخصوصا ، والمعنى مجملا لحقه التفسير . والثاني : أنّ العموم في : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ، والإجمال في وَحَرَّمَ الرِّبا [ البقرة : 275 ] . والثالث : أنّه كان مجملا ، فلمّا بيّنه صلّى اللّه عليه وسلّم صار عاما ، فيكون داخلا في المجمل قبل البيان ، وفي العموم بعد البيان ، فعلى هذا يجوز الاستدلال بظاهرها في البيوع المختلف فيها . والقول الرابع : أنها تناولت بيعا معهودا ، ونزلت بعد أن أحلّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بيوعا وحرّم بيوعا ، فاللّام للعهد ؛ فعلى هذا لا يجوز الاستدلال بظاهرها . انتهى . ومنها : الآيات التي فيها الأسماء الشرعيّة ، نحو : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [ البقرة : 43 ] . فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [ البقرة : 185 ] . وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [ آل عمران : 97 ] . قيل : إنها مجملة ، لاحتمال الصلاة لكلّ دعاء ، والصوم لكلّ إمساك ، والحجّ لكلّ قصد . والمراد بها لا تدلّ عليه اللغة ، فافتقر إلى البيان . وقيل : لا ، بل يحمل على كلّ ما ذكر إلّا ما خصّ بدليل . تنبيه : قال ابن الحصّار : من الناس من جعل المجمل والمحتمل بإزاء شيء واحد . قال : والصواب أنّ المجمل : اللفظ المبهم الذي لا يفهم المراد منه ، والمحتمل : اللفظ الواقع بالوضع الأول على معنيين مفهومين فصاعدا ، سواء كان حقيقة في كلّها أو بعضها .