جلال الدين السيوطي
629
الإتقان في علوم القرآن
في الأزواج أكثر منه في الأولاد ، وكان أقعد في المعنى المراد فقدّم . ولذلك قدّمت الأموال في قوله : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [ التغابن : 15 ] لأنّ الأموال لا تكاد تفارقها الفتنة . إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ( 7 ) [ العلق : 6 ، 7 ] وليست الأولاد في استلزام الفتنة مثلها ، فكان تقديمها أولى . التاسع : الترقّي من الأدنى إلى الأعلى : كقوله : أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها [ الأعراف : 195 ] الآية ، بدأ بالأدنى لغرض الترقّي ؛ لأنّ اليد أشرف من الرّجل ، والعين أشرف من اليد ، والسمع أشرف من البصر . ومن هذا النوع تأخير الأبلغ ، وقد خرّج عليه تقديم الرحمن على الرحيم ، والرؤوف على الرحيم ، والرسول على النبيّ ، في قوله : وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا [ مريم : 51 ] ، وذكر لذلك نكت أشهرها مراعاة الفاصلة . العاشر : التدلّي من الأعلى إلى الأدنى : وخرّج عليه : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [ البقرة : 255 ] . لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً [ الكهف : 49 ] . لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [ النساء : 172 ] . هذا ما ذكره ابن الصائغ ، وزاد غيره أسبابا أخر : منها : كونه أدلّ على القدرة وأعجب : كقوله : فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ [ النور : 45 ] . الآية ، وقوله : وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ [ الأنبياء : 79 ] . قال الزمخشري « 1 » : قدّم الجبال على الطّير ؛ لأنّ تسخيرها له وتسبيحها أعجب وأدلّ على القدرة ، وأدخل في الإعجاز ، لأنها جماد والطير حيوان [ إلّا أنّه غير ] « 2 » ناطق . ومنها : رعاية الفواصل : وسيأتي لذلك أمثلة كثيرة . ومنها : إفادة الحصر للاختصاص ، وسيأتي في النوع الخامس والخمسين . تنبيه : قد يقدّم لفظ في موضع ويؤخّر في آخر ، ونكتة ذلك : إمّا لكون السّياق في كلّ موضع يقتضي ما وقع فيه ، كما تقدمت الإشارة إليه . وإما لقصد البداءة والختم به للاعتناء بشأنه ، كما في قوله : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ [ آل عمران : 106 ] . الآيات .
--> ( 1 ) في الكشاف 2 / 580 . ( 2 ) ما بين القوسين من الكشاف 2 / 580 لصحة المعنى .