جلال الدين السيوطي

626

الإتقان في علوم القرآن

وتقديم جبريل على ميكائيل في آية البقرة ، لأنه أفضل . وتقديم العاقل على غيره في قوله : مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 33 ) [ النازعات : 33 ] . يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ [ النور : 41 ] . وأما تقديم الأنعام في قوله : تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ [ السجدة : 27 ] فلأنه تقدّم ذكر الزرع ، فناسب تقديم الأنعام « 1 » ، بخلاف آية ( عبس ) « 2 » فإنّه تقدّم فيها : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ( 24 ) [ عبس : 24 ] ، فناسب تقديم لَكُمْ . وتقديم المؤمنين على الكفار في كلّ موضع . وأصحاب اليمين على أصحاب الشمال . والسماء على الأرض ، والشمس على القمر حيث وقع ، إلّا في قوله : خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً [ نوح : 15 ، 16 ] فقيل : لمراعاة الفاصلة ، وقيل : لأنّ انتفاع أهل السماوات العائد عليهنّ الضمير به أكثر . وقال ابن الأنباري : يقال إنّ القمر وجهه يضيء لأهل السماوات وظهره لأهل الأرض ، ولهذا قال تعالى : فِيهِنَّ . لمّا كان أكثر نوره يضيء إلى أهل السماء . ومنه : تقديم الغيب على الشهادة في قوله : عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [ الزمر : 46 ] لأن علمه أشرف ، وأما : فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى [ طه : 7 ] فأخّر فيه رعاية للفاصلة . الرابعة : المناسبة : وهي إمّا مناسبة المتقدّم لسياق الكلام ، كقوله : وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ( 6 ) [ النحل : 6 ] فإنّ الجمال بالجمال ، وإن كان ثابتا حالتي السّراح والإراحة ، إلّا أنها حالة إراحتها - وهو مجيئها من المرعى آخر النهار - يكون الجمال بها أفخر ، إذ هي فيه بطان ، وحالة سراحها للمرعى أول النهار يكون الجمال بها دون الأول ، إذ هي فيه خماص . ونظيره قوله : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا [ الفرقان : 67 ] قدّم نفي الإسراف لأن السرف في الإنفاق .

--> ( 1 ) قال الصاوي في حاشيته 3 / 266 : « قدّم الأنعام ؛ لأنّ أكلها مقدّم لكونها تأكله قبل أن يثمر » ا ه . وقال الشربيني في السراج المنير 3 / 215 : « قدّم الأنعام لوقوع الامتنان بها ؛ لأنّ بها قوامهم في معايشهم وأبدانهم ، ولأنّ الزرع غذاء للدوابّ لا بدّ منه ، وأما غذاء الإنسان فقد يصلح للحيوان فكان الحيوان يأكل الزرع ثم الإنسان ، يأكل من الحيوان » ا ه . وانظر نظم الدرر 15 / 269 - 270 . ( 2 ) انظر نظم الدرر 15 / 269 - 270 ، وتفسير السراج 3 / 215 - 216 .