جلال الدين السيوطي

617

الإتقان في علوم القرآن

وقد تحصّل لي فيها عشرون قولا وأزيد ، ولا أعرف أحدا يحكم عليها بعلم ولا يصل منها إلى فهم . والذي أقوله : إنه لولا أنّ العرب كانوا يعرفون أنّ لها مدلولا متداولا بينهم لكانوا أوّل من أنكر ذلك على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، بل تلا عليهم حم فصّلت و ص وغيرهما فلم ينكروا ذلك ، بل صرّحوا بالتسليم له في البلاغة والفصاحة ، مع تشوّفهم إلى عثرة وحرصهم على زلّة ، فدلّ على أنه كان أمرا معروفا بينهم لا إنكار فيه . انتهى . وقيل : هي تنبيهات كما في النداء : عدّه ابن عطية « 1 » مغايرا للقول بأنّها فواتح ، والظاهر أنه بمعناه . قال أبو عبيدة « 2 » : ألم * افتتاح كلام . قال الخويّي : القول بأنّها تنبيهات جيّد ؛ لأنّ القرآن كلام عزيز وفوائده عزيزة ، فينبغي أن يرد على سمع متنبّه ، فكان من الجائز أن يكون اللّه قد علم في بعض الأوقات كون النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في عالم البشر مشغولا ، فأمر جبريل بأن يقول عند نزوله : ألم * و الر * و حم * ، ليسمع النبيّ صوت جبريل فيقبل عليه ، ويصغي إليه . قال : وإنما لم تستعمل الكلمات المشهورة في التنبيه ك « ألا » و « أما » ؛ لأنها من الألفاظ التي يتعارفها الناس في كلامهم ، والقرآن ، كلام لا يشبه الكلام ، فناسب أن يؤتى فيه بألفاظ تنبيه لم تعهد ، لتكون أبلغ في قرع سمعه . انتهى . وقيل : إنّ العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه ، فأنزل اللّه هذا النظم البديع ليعجبوا منه ، ويكون تعجّبهم منه سببا لاستماعهم ، واستماعهم له سببا لاستماع ما بعده ، فترقّ القلوب ، وتلين الأفئدة . وعدّ هذا جماعة قولا مستقلا ، والظاهر خلافه ، وإنما يصلح هذا مناسبة لبعض الأقوال ، لا قولا في معناه ، إذ ليس فيه بيان معنى . وقيل : إن هذه الحروف ذكرت لتدلّ على أن القرآن مؤلّف من الحروف التي هي . أ ، ب ، ت ، ث . . . فجاء بعضها مقطّعا ، وجاء تمامها مؤلفا ، ليدلّ القوم الّذين نزل القرآن بلغتهم أنه بالحروف التي يعرفونها ، فيكون ذلك تقريعا لهم ، ودلالة على عجزهم أن يأتوا بمثله ، بعد أن علموا أنه منزل بالحروف التي يعرفونها ، ويبنون كلامهم منها . وقيل : المقصود بها الإعلام بالحروف التي يتركّب منها الكلام : فذكر منها أربعة عشر حرفا ، وهي نصف جميع الحروف ، وذكر من كلّ جنس نصفه :

--> ( 1 ) المحرر الوجيز 1 / 28 . ( 2 ) في مجاز القرآن 1 / 28 .