جلال الدين السيوطي
601
الإتقان في علوم القرآن
دونهم ، وهو المشار إليه بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم لابن عباس : « اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل » « 1 » . وإذا عرفت هذه الجهة عرفت أنّ الوقف على قوله : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ووصله بقوله : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ جائز ، وأنّ لكلّ واحد منهما وجها حسبما دل عليه التفصيل المتقدم . انتهى . وقال الإمام فخر الدين : صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بدّ فيه من دليل منفصل ، وهو إمّا لفظيّ أو عقليّ : والأول : لا يمكن اعتباره في المسائل الأصولية ؛ لأنه لا يكون قاطعا ؛ لأنه موقوف على انتفاء الاحتمالات العشرة المعروفة ، وانتفاؤها مظنون ، والموقوف على المظنون مظنون ، والظنّي لا يكتفى به في الأصول . وأمّا العقليّ : فإنّما يفيد صرف اللفظ من ظاهره لكون الظاهر محالا ، وأمّا إثبات المعنى المراد فلا يمكن بالعقل ؛ لأنّ طريق ذلك ترجيح مجاز على مجاز ، وتأويل على تأويل ، وذلك الترجيح لا يمكن إلّا بالدليل اللفظي ، والدليل اللفظيّ في الترجيح ضعيف لا يفيد إلّا الظّن ، والظن لا يعوّل عليه في المسائل الأصولية القطعية « 2 » ؛ فلهذا اختار الأئمة المحقّقون من السّلف والخلف . بعد إقامة الدليل القاطع على أنّ حمل اللفظ على ظاهره محال . ترك الخوض في تعيين التأويل . انتهى . وحسبك بهذا الكلام من الإمام . فصل « 3 » من المتشابه آيات الصّفات ، ولابن اللّبّان فيها تصنيف مفرد ، نحو : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 75 - 143 - 3756 - 7270 ) ، ومسلم ( 2477 ) ، والنسائي في فضائل الصحابة ( 74 - 75 - 76 ) ، والترمذي ( 3823 - 3824 ) ، وابن ماجة ( 166 ) ، وأحمد في المسند 1 / 214 - 327 ، 359 ، وفي الفضائل ( 1857 - 1858 - 1859 - 1883 - 1923 ) ، وابن حبان ( 7053 - 7054 - 7055 ) ، والبغوي في تفسيره 1 / 28 من طرق عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - . ( 2 ) هذه قاعدة مشى عليها المتأولون من أجل تحريف النصوص ، وتأويلها بدعوى أنّ الظن لا يأخذ جهة في العقائد . وهذه الدعوى مخالفة لما كان عليه سلف الأمة وأئمتها ، ولقد انبرى الحفاظ النقاد في الرد على هذه الدعوى وفندوها وبيّنوا زيفها وعوارها . انظر الصواعق المرسلة لابن قيم الجوزية ، ورسالة وجوب الأخذ في العقيدة بأحاديث الآحاد لمحدث العصر شيخنا الألباني ، والأدلة والشواهد للأخ الفاضل سليم الهلالي . . . وغيرها . ( 3 ) انظر البرهان 2 / 78 ، والتيسير للكافيجي ص 188 ، والفتاوى 17 / 423 - 426 .