جلال الدين السيوطي
583
الإتقان في علوم القرآن
ليسوا ممن يطّلع على دقائق الهيئة بسهولة ، وقد اطلع عليها آحاد العجم الّذين أطبق الناس على أنهم أبلد أذهانا من العرب بكثير ، هذا لو كان للهيئة أصل معتبر ، فكيف وأكثرها فاسد لا دليل عليه ؟ وقد صنفت كتابا في نقض أكثر مسائلها بالأدلة الثابتة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي صعد إلى السماء ، ورآها عيانا ، وعلم ما حوته من عجائب الملكوت بالمشاهدة ، وأتاه الوحي من خالقها . ولو كان السؤال وقع عمّا ذكروه لم يمتنع أن يجابوا عنه بلفظ يصل إلى أفهامهم ؛ كما وقع ذلك لمّا سألوا عن المجرّة وغيرها من الملكوتيات . نعم المثال الصحيح لهذا القسم جواب موسى لفرعون حيث قال : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا [ الشعراء : 23 - 24 ] ؛ لأنّ ( ما ) سؤال عن الماهية والجنس ؛ ولما كان هذا السؤال في حقّ البارئ سبحانه وتعالى خطأ ؛ لأنه لا جنس له فيذكر ، ولا تدرك ذاته ، عدل إلى الجواب بالصواب ، ببيان الوصف المرشد إلى معرفته ، ولهذا تعجّب فرعون من عدم مطابقته للسؤال ، فقال لمن حوله : أَ لا تَسْتَمِعُونَ [ الشعراء : 25 ] أي : جوابه الذي لم يطابق السؤال ، فأجاب موسى بقوله : رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [ الشعراء : 26 ] المتضمّن إبطال ما يعتقدونه من ربوبية فرعون نصا ، وإن كان دخل في الأول ضمنا ، إغلاظا ، فزاد فرعون في الاستهزاء ، فلما رآهم موسى لم يتفطنوا ، أغلظ في الثالث بقوله : إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [ الشعراء : 28 ] . ومثال الزيادة في الجواب : قوله تعالى : اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ [ الأنعام : 64 ] في جواب : مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ الأنعام : 63 ] . وقال موسى : هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي [ طه : 18 ] في جواب : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ( 17 ) [ طه : 17 ] . زاد في الجواب استلذاذا بخطاب اللّه تعالى . وقول قوم إبراهيم : نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ [ الشعراء : 71 ] . في جواب : ما تَعْبُدُونَ [ الشعراء : 70 ] زادوا في الجواب ، إظهارا للابتهاج بعبادتها والاستمرار على مواظبتها ، ليزداد غيظ السائل . ومثال النقص منه : قوله تعالى : قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ [ يونس : 15 ] في جواب : ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ ، أجاب عن التبديل دون الاختراع . قال الزمخشري « 1 » : لأنّ التبديل في إمكان البشر دون الاختراع . فطوى ذكره للتنبيه على أنه سؤال محال . وقال غيره : التّبديل أسهل من الاختراع ، وقد نفى إمكانه ، فالاختراع أولى . تنبيه : قد يعدل عن الجواب أصلا ؛ إذا كان السائل قصده التعنّت ، نحو : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ
--> ( 1 ) الكشاف 2 / 229 .