جلال الدين السيوطي
578
الإتقان في علوم القرآن
قوله تعالى : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ [ البقرة : 184 ] . المعنى : على كلّ واحد لكل يوم طعام مسكين ، وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [ النور : 4 ] ؛ لأنّ على كلّ واحد منهم ذلك . قاعدة في الألفاظ التي يظن بها الترادف ، وليست منه « 1 » : من ذلك ( الخوف والخشية ) « 2 » لا يكاد اللّغوي يفرّق بينهما ، ولا شكّ أنّ الخشية أعلى منه ، وهي أشدّ الخوف ؛ فإنها مأخوذة من قولهم : شجرة خشيّة ، أي : يابسة ، وهو فوات بالكليّة . والخوف من ناقة خوفاء ، أي : بها داء ، وهو نقص ، وليس بفوات ؛ ولذلك خصّت الخشية باللّه في قوله تعالى : وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ [ الرعد : 21 ] . وفرّق بينهما أيضا بأنّ الخشية تكون من عظم المختشى ، وإن كان الخاشي قويّا ، والخوف يكون من ضعف الخائف وإن كان المخوف أمرا يسيرا . ويدلّ لذلك أنّ الخاء والشين والياء في تقاليبها تدلّ على العظمة ، نحو شيخ للسيد الكبير ، وخيش لما غلظ من اللباس ، ولذا وردت الخشية غالبا في حق اللّه تعالى نحو : مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ البقرة : 74 ] . إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] . وأما : يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [ النحل : 50 ] . ففيه نكتة لطيفة ، فإنه في وصف الملائكة ، ولما ذكر قوّتهم وشدّة خلقهم عبّر عنهم بالخوف ، لبيان أنهم وإن كانوا غلاظا شدادا فهم بين يديه تعالى ضعفاء ، ثم أردفه بالفوقيّة الدالة على العظمة ، فجمع بين الأمرين ، ولمّا كان ضعف البشر معلوما لم يحتج إلى التنبيه عليه . ومن ذلك ( الشحّ والبخل ) « 3 » والشح هو أشدّ البخل . قال الراغب « 4 » : الشحّ بخل مع حرص . وفرّق العسكري « 5 » بين البخل و ( الضنّ ) : بأنّ الضنّ أصله أن يكون بالعواري والبخل بالهبات ؛ ولهذا يقال : هو ضنين بعلمه ولا يقال بخيل ؛ لأنّ العلم بالعاريّة أشبه منه بالهبة ؛ لأنّ الواهب إذا وهب شيئا خرج عن ملكه ؛ بخلاف العارية ، ولهذا قال تعالى : وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ( 24 ) [ التكوير : 24 ] ولم يقل : ببخيل . ومن ( السبيل والطريق ) « 6 » والأوّل أغلب وقوعا في الخير ، ولا يكاد اسم الطريق يراد به
--> ( 1 ) انظر البرهان 4 / 78 . ( 2 ) انظر عمدة الحفاظ 1 / 583 ، والمفردات ص 149 ، والفروق لأبي هلال للعسكري ص 199 - 200 . ( 3 ) انظر الفروق للعسكري ص 144 ، والفروق لابن القيم ص 101 - 102 ، وعمدة الحفاظ ص 291 - 292 ، والمفردات ص 256 . ( 4 ) انظر المفردات ص 256 . ( 5 ) الفروق للعسكري ص 144 . ( 6 ) الفروق للعسكري ص 246 ، وانظر عمدة الحفاظ 2 / 194 - 195 .