جلال الدين السيوطي
573
الإتقان في علوم القرآن
وكذا آية الظّن ، لا نسلّم فيها أنّ الثاني فيها غير الأول ، بل هو عينه قطعا ؛ إذ ليس كلّ ظن مذموما ، كيف وأحكام الشريعة ظنّيّة . وكذا آية الصلح ، لا مانع من أن يكون المراد منها الصلح المذكور ، وهو الذي بين الزّوجين ، واستحباب الصلح في سائر الأمور مأخوذ من السنّة ومن الآية بطريق القياس ، بل لا يجوز القول بعموم الآية ، وأنّ كلّ صلح خير ؛ لأنّ ما أحلّ حراما من الصلح أو حرّم حلالا فهو ممنوع . وكذا آية القتال : ليس الثاني فيها عين الأول بلا شك ؛ لأنّ المراد بالأوّل المسؤول عنه القتال الذي وقع في سرّية ابن الحضرمي سنة اثنتين من الهجرة ، لأنه سبب نزول الآية ، والمراد بالثاني جنس القتال لا ذاك بعينه . وأما آية : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ [ الزخرف : 84 ] فقد أجاب عنها الطيبيّ : أنها من باب التكرير ، لإفادة أمر زائد ، بدليل تكرير ذكر الرّب فيما قبله من قوله : سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ [ الزخرف : 82 ] . ووجه الإطناب في تنزيهه تعالى عن نسبة الولد إليه ، وشرط القاعدة ألّا يقصد التكرير . وقد ذكر الشيخ بهاء الدين في آخر كلامه : إنّ المراد بذكر الاسم مرتين كونه مذكورا في كلام واحد أو كلامين بينهما تواصل ، بأن يكون أحدهما معطوفا على الآخر ، وله به تعلّق ظاهر وتناسب واضح ، وأن يكونا من متكلّم واحد . ودفع بذلك إيراد آية القتال ؛ لأنّ الأول فيها محكيّ عن قول السائل ، والثاني محكيّ من كلام النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . قاعدة في الإفراد والجمع « 1 » : من ذلك ( السماء والأرض ) « 2 » حيث وقع في القرآن ذكر الأرض فإنها مفردة ، ولم تجمع بخلاف السماوات . لثقل جمعها وهو أرضون ؛ ولهذا لما أريد ذكر جميع الأرضين قال : وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [ الطلاق : 12 ] . وأما السماء : فذكرت تارة بصيغة الجمع ، وتارة بصيغة الإفراد ، لنكت تليق بذلك المحل ، كما أوضحته في « أسرار التنزيل » ، والحاصل : أنه حيث أريد العدد أتي بصيغة الجمع الدّالة على سعة العظمة والكثرة ، نحو : سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ [ الصف : 1 ] أي : جميع سكانها على كثرتهم . يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ [ الجمعة : 1 ] أي : كلّ واحد على اختلاف عددها . قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [ النمل : 65 ] إذ المراد نفي
--> ( 1 ) انظر البرهان 4 / 6 . ( 2 ) انظر بدائع الفوائد 1 / 113 - 114 ، والبرهان 4 / 6 .