جلال الدين السيوطي
565
الإتقان في علوم القرآن
العشرة . لمّا كان واحدا وحّد الضمير ، ومع القلة . وهو العشرة فما دونها . لمّا كان جمعا جمع الضمير . قاعدة : إذا اجتمع في الضمائر مراعاة اللفظ والمعنى بدئ باللفظ ثم بالمعنى ؛ هذا هو الجادّة في القرآن ، قال تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ثم قال : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 8 ] أفرد أوّلا باعتبار اللفظ ، ثم جمع باعتبار المعنى . وكذا : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ [ الأنعام : 25 ] . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [ التوبة : 49 ] . قال الشيخ علم الدين العراقي : ولم يجيء في القرآن البداءة بالحمل على المعنى إلّا في موضع واحد ؛ وهو قوله : وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا [ الأنعام : 139 ] ، فأنث ( خالصا ) حملا على معنى ( ما ) ثمّ راعى اللفظ فذكّر فقال : مُحَرَّمٌ . انتهى . قال ابن الحاجب في أماليه : إذا حمل على اللفظ جاز الحمل بعده على المعنى ، وإذا حمل على المعنى ضعف الحمل بعده على اللفظ ؛ لأنّ المعنى أقوى ، فلا يبعد الرجوع إليه بعد اعتبار اللفظ ، ويضعف بعد اعتبار المعنى القويّ الرجوع إلى الأضعف . وقال ابن جنّي في « المحتسب » : لا يجوز مراجعة اللفظ بعد انصرافه عنه إلى المعنى . وأورد عليه قوله : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ( 36 ) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 37 ) ثم قال : حَتَّى إِذا جاءَنا [ الزخرف : 36 . 38 ] فقد راجع اللفظ بعد الانصراف عنه إلى المعنى . وقال محمود بن حمزة في كتاب « العجائب » : ذهب بعض النّحويّين إلى أنه لا يجوز الحمل على اللفظ بعد الحمل على المعنى ، وقد جاء في القرآن بخلاف ذلك ، وهو قوله : خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً [ الطلاق : 11 ] ، قال ابن خالويه في كتاب ( ليس ) : القاعدة في ( من ) ونحوه الرجوع من اللفظ إلى المعنى ، ومن الواحد إلى الجمع ، ومن المذكر إلى المؤنث ، نحو : وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً [ الأحزاب : 31 ] . مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ إلى قوله : وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [ البقرة : 112 ] ، أجمع على هذا النحويون . قال : وليس في كلام العرب ولا في شيء من العربية الرجوع من المعنى إلى اللفظ إلّا في حرف واحد استخرجه ابن مجاهد ، وهو قوله تعالى : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ [ الطلاق : 11 ] الآية ، وحّد في يُؤْمِنْ و وَيَعْمَلْ و يُدْخِلْهُ ، ثم جمع في قوله : خالِدِينَ ثم وحّد في قوله : أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً [ الطلاق : 11 ] فرجع بعد الجمع إلى التوحيد .