جلال الدين السيوطي

562

الإتقان في علوم القرآن

فأفرد لأنّ الرسول هو داعي العباد والمخاطب لهم شفاها ، ويلزم من رضاه رضا ربه تعالى . وقد يثنّى الضمير ويعود على أحد المذكورين : نحو : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ( 22 ) [ الرحمن : 22 ] وإنما يخرج من أحدهما . وقد يجيء الضمير متّصلا بشيء وهو لغيره : نحو : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) [ المؤمنون : 12 . 13 ] يعني آدم ، ثم قال : ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً [ المؤمنون : 12 . 13 ] . فهذه لولده ؛ لأنّ آدم لم يخلق من نطفة . قلت : هذا هو باب الاستخدام ، ومنه : لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ثم قال : قَدْ سَأَلَها [ المائدة : 101 . 102 ] ، أي : أشياء أخر مفهومة من لفظ أَشْياءَ السابقة . وقد يعود الضمير على ملابس ما هو له : نحو : إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها [ النازعات : 46 ] أي : ضحى يومها ، لا ضحى العشية نفسها ؛ لأنه لا ضحى لها . وقد يعود على غير مشاهد محسوس ، والأصل خلافه ، نحو : وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ البقرة : 117 ] ، فضمير لَهُ عائد على الأمر ، وهو إذ ذاك غير موجود ؛ لأنه لما كان سابقا في علم اللّه كونه ، كان بمنزلة المشاهد الموجود . قاعدة : الأصل عوده على أقرب مذكور ، ومن ثمّ أخّر المفعول الأوّل في قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ [ الأنعام : 112 ] ، ليعود الضمير عليه لقربه ، إلّا أن يكون مضافا ومضافا إليه فالأصل عوده للمضاف ؛ لأنه المحدّث عنه ، نحو : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] . وقد يعود على المضاف إليه ، نحو : إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً [ غافر : 37 ] . واختلف في أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [ الأنعام : 145 ] ، فمنهم من أعاده على المضاف ، ومنهم من أعاده إلى المضاف إليه . قاعدة : الأصل توافق الضّمائر في المرجع حذرا من التشتيت ، ولهذا لمّا جوّز بعضهم في : أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ [ طه : 39 ] أنّ الضمير في الثاني للتابوت ، وفي الأول لموسى عابه الزمخشريّ « 1 » ، وجعله تنافرا مخرجا للقرآن عن إعجازه ، فقال : والضمائر كلّها راجعة إلى

--> ( 1 ) الكشاف 2 / 536 ، والبرهان 4 / 35 - 36 .