جلال الدين السيوطي
549
الإتقان في علوم القرآن
أَمَداً [ الكهف : 12 ] : إنه أفعل تفضيل ، والمنصوب تمييز ، وهو باطل ، فإنّ الأمد ليس محصيا ، بل محصى ، وشرط التمييز المنصوب بعد ( أفعل ) كونه فاعلا في المعنى ، فالصواب أنه فعل ، وأمدا مفعول ، مثل وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً [ الجن : 28 ] . العاشر : ألّا يخرّج على خلاف الأصل ، أو خلاف الظاهر لغير مقتض ، ومن ثمّ خطئ مكّي في قوله في : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي [ البقرة : 264 ] : أنّ الكاف نعت لمصدر ، أي : إبطالا كإبطال الذي . والوجه كونه حالا من الواو ، أي : لا تبطلوا صدقاتكم مشبهين الذي ، فهذا لا حذف فيه . الحادي عشر : أن يبحث عن الأصليّ والزائد ، نحو : إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ [ البقرة : 237 ] ، فإنّه قد يتوهم أن الواو في يَعْفُونَ ضمير الجمع ، فيشكل إثبات النون ، وليس كذلك ؛ بل هي فيه لام الكلمة ، فهي أصلية والنون ضمير النسوة ، والفعل معها مبنيّ ، ووزنه : ( يفعلن ) بخلاف : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ [ البقرة : 237 ] فالواو فيه ضمير الجمع ، وليست من أصل الكلمة . الثاني عشر : أن يجتنب إطلاق لفظ الزائد في كتاب اللّه تعالى ، فإنّ الزائد قد يفهم منه أنه لا معنى له ، وكتاب اللّه منزّه عن ذلك ، ولذا فرّ بعضهم إلى التعبير بدله بالتأكيد ، والصلة ، والمقحم . وقال ابن الخشاب : اختلف في جواز إطلاق لفظ الزائد في القرآن : فالأكثرون على جوازه ، نظرا إلى أنه نزل بلسان القوم ومتعارفهم ، ولأنّ الزيادة بإزاء الحذف ، هذا للاختصار والتخفيف ، وهذا للتوكيد والتوطئة ، ومنهم من أبى ذلك وقال : هذه الألفاظ المحمولة على الزيادة جاءت لفوائد ومعان تخصّها ، فلا أقضي عليها بالزيادة . قال : والتحقيق أنه إن أريد بالزيادة إثبات معنى لا حاجة إليه فباطل ؛ لأنه عبث ، فتعيّن أنّ إلينا به حاجة ؛ لكن الحاجة إلى الأشياء قد تختلف بحسب المقاصد ، فليست الحاجة إلى اللفظ الذي عدّه هؤلاء زيادة كالحاجة إلى اللفظ المزيد عليه . انتهى . وأقول : بل الحاجة إليه كالحاجة إليه سواء ، بالنظر إلى مقتضى الفصاحة والبلاغة ، وأنه لو ترك كان الكلام دونه . مع إفادته أصل المعنى المقصود . أبتر خاليا عن الرّونق البليغيّ ، لا شبهة في ذلك . ومثل هذا يستشهد عليه بالإسناد البيانيّ الذي خالط كلام الفصحاء ، وعرف مواقع استعمالهم وذاق حلاوة ألفاظهم ، وأما النحويّ الجافي فعن ذلك بمنقطع الثرى . تنبيهات : الأول : قد يتجاذب المعنى والإعراب الشيء الواحد ، بأن يوجد في الكلام : أنّ المعنى