جلال الدين السيوطي
504
الإتقان في علوم القرآن
قوله تعالى : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها [ النساء : 56 ] . الرابع : أن يكون ذلك متناولا لذات ، نحو : بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ [ الأنعام : 93 ] . أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا [ الأنعام : 164 ] . ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا [ يونس : 15 ] . يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ [ محمد : 38 ] . انتهى . الفاء « 1 » : ترد على أوجه : أحدها : أن تكون عاطفة ، فتفيد ثلاثة أمور : أحدها : الترتيب ، معنويا كان نحو : فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ [ القصص : 15 ] . أو ذكريّا ، وهو عطف مفصّل على مجمل ، نحو : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ [ البقرة : 36 ] . سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [ النساء : 153 ] . وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ [ هود : 45 ] . وأنكره . أي : الترتيب . الفراء ، واحتج بقوله : أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا [ الأعراف : 4 ] . وأجيب بأن المعنى : أردنا إهلاكها . ثانيها : التّعقيب ، وهو في كلّ شيء بحسبه ، وبذلك ينفصل عن التراخي في نحو : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً [ الحج : 63 ] . خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً [ المؤمنون : 14 ] . ثالثها : السببيّة غالبا ، نحو : فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ [ القصص : 15 ] . فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ [ البقرة : 37 ] . لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ( 52 ) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ( 53 ) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ( 54 ) [ الواقعة : 52 . 54 ] . وقد تجيء لمجرد الترتيب ، نحو : فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ( 26 ) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ [ الذاريات : 26 . 27 ] . فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ [ الذاريات : 29 ] . فَالزَّاجِراتِ زَجْراً ( 2 ) فَالتَّالِياتِ [ الصافات : 2 . 3 ] . الوجه الثاني : أن تكون لمجرد السببيّة من غير عطف ، نحو : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ( 1 ) فَصَلِّ [ الكوثر : 1 . 2 ] . إذ لا يعطف الإنشاء على الخبر ، وعكسه . الثالث : أن تكون رابطة للجواب حيث لا يصلح لأن يكون شرطا : بأن كان جملة اسمية ، نحو : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ [ المائدة : 118 ] . وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الأنعام : 17 ] .
--> ( 1 ) انظر البرهان 4 / 294 - 301 ، وعمدة الحفاظ 3 / 228 - 229 ، ورصف المباني ص 440 - 450 .